المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
ثم أخبر تعالى عن بني إسرائيل الكافرين بعيسى فقال :﴿ومكروا﴾ يريد تحيلهم في أخذ عيسى للقتل بزعمهم، ويروى أنهم تحيلوا له، وأذكوا عليه العيون(١) حتى دخل هو والحواريون بيتاً فأخذوهم فيه، فهذا مكر بني إسرائيل، وجازاهم الله تعالى بأن طرح شبه عيسى على أحد الحواريين ورفع عيسى، وأعقب بني إسرائيل مذلة وهواناً في الدنيا والآخرة، فهذه العقوبة هي التي سماها الله مكراً في قوله ﴿ومكر الله﴾ وهذا مهيع أن تسمى العقوبة باسم الذنب وإن لم تكن في معناه، وعلى هذا فسر جمهور المفسرين الآية، وعلى أن عيسى قال للحواريين : من يصبر فيلقى عليه شبهي فيقتل وله الجنة ؟ فقال أحدهم - أنا - فكان ذلك، وروى قوم أن بني إسرائيل دست يهودياً جاسوساً على عيسى حتى صحبه ودلهم عليه ودخل معه البيت فلما أحيط بهم ألقى الله شبه عيسى على ذلك الرجل اليهودي فأخذ وصلب، فهذا معنى قوله :﴿ومكروا ومكر الله﴾ وهذه أيضاً تسمية عقوبة باسم الذنب، والمكر في اللغة، السعي على الإنسان دون أن يظهر له ذلك، بل أن يبطن الماكر ضد ما يبدي، وقوله ﴿والله خير الماكرين﴾ معناه في أنه فاعل حق في ذلك، والماكر من البشر فاعل باطل في الأغلب، لأنه في الأباطيل يحتاج إلى التحيل، والله سبحانه أشد بطشاً وأنفذ إرادة، فهو خير من جهات لا تحصى، لا إله إلا هو(٢)، وذكر حصر عيسى عليه السلام، وعدة أصحابه به وأمر الشبه وغير ذلك من أمره سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
١ - أذكوا العيون: بثوا الجواسيس والطلائع، وفي بعض النسخ: أذكوا له..
٢ - سأل رجل الجنيد فقال: كيف رضي الله لنفسه المكر وقد عاب به غيره؟ فقال: لا أدري ما تقول، ولكن أنشدني فلان الظهراني:
ويقبح من سواك الفعل عندي فتفعله فيحسن منك ذاكا
ثم قال: قد أجبتك إن كنت تعقل..
٢ - سأل رجل الجنيد فقال: كيف رضي الله لنفسه المكر وقد عاب به غيره؟ فقال: لا أدري ما تقول، ولكن أنشدني فلان الظهراني:
ويقبح من سواك الفعل عندي فتفعله فيحسن منك ذاكا
ثم قال: قد أجبتك إن كنت تعقل..