جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿إِذْ قَالَ اللّهُ يا عيسى إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيّ وَمُطَهّرُكَ مِنَ الّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الّذِينَ اتّبَعُوكَ فَوْقَ الّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمّ إِلَيّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾
يعني بذلك جل ثناؤه : ومكر الله بالقوم الذين حاولوا قتل عيسى مع كفرهم بالله، وتكذيبهم عيسى فيما أتاهم به من عند ربهم، إذ قال الله جل ثناؤه :﴿إنّي مُتَوَفّيكَ﴾ ف«إذْ » صلة من قوله :﴿وَمَكَرَ اللّهُ﴾ يعني : ومكر الله بهم حين قال الله لعيسى :﴿إنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِليّ﴾ فتوفاه ورفعه إليه.
ثم اختلف أهل التأويل في معنى الوفاة التي ذكرها الله عزّ وجلّ في هذه الآية، فقال بعضهم : هي وفاة نوم، وكان معنى الكلام على مذهبهم : إني مُنِيمُك، ورافعك في نومك. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله :﴿إنّي مُتَوَفّيكَ﴾ قال : يعني وفاة المنام : رفعه الله في منامه. قال الحسن : قال رسول الله ﷺ لليهود :«إِنّ عِيسَى لَمْ يَمُتْ، وَإِنّهُ رَاجِعٌ إِلَيْكُمْ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ ».
وقال آخرون : معنى ذلك : إني قابضك من الأرض، فرافعك إليّ، قالوا : ومعنى الوفاة : القبض، لما يقال : توفيت من فلان ما لي عليه، بمعنى : قبضته واستوفيته. قالوا : فمعنى قوله :﴿إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ : أي قابضك من الأرض حيا إلى جواري، وآخذك إلى ما عندي بغير موت، ورافعك من بين المشركين وأهل الكفر بك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا عليّ بن سهل، قال : حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب، عن مطر الورّاق في قول الله :﴿إنّي مُتَوَفّيكَ﴾ قال : متوفيك من الدنيا، وليس بوفاة موت.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله :﴿إنّي مُتَوَفّيكَ﴾ قال : متوفيك من الأرض.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله :﴿إنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِليّ وَمُطَهّرُكَ مِنَ الّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال : فرفعه إياه إليه، توفيه إياه، وتطهيره من الذين كفروا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح أن كعب الأحبار، قال : ما كان الله عزّ وجلّ ليميت عيسى ابن مريم، إنما بعثه الله داعيا ومبشرا يدعو إليه وحده، فلما رأى عيسى قلة من اتبعه وكثرة من كذّبه، شكا ذلك إلى الله عزّ وجلّ، فأوحى الله إليه :﴿إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِليّ﴾ وليس من رفعته عندي ميتا، وإني سأبعثك على الأعور الدجال، فتقتله، ثم تعيش بعد ذلك أربعا وعشرين سنة، ثم أميتك ميتة الحيّ. قال كعب الأحبار : وذلك يصدّق حديث رسول الله ﷺ حيث قال :«كيفَ تَهلِكُ أمةٌ أنَا فِي أوّلهَا، وَعِيسَى فِي آخِرِهَا ؟ ».
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير : يا عيسى إني متوفيك : أي قابضك.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿إنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِليّ﴾ قال : متوفيك : قابضك، قال : ومتوفيك ورافعك واحد. قال : ولم يمت بعد حتى يقتلَ الدجال، وسيموت، وقرأ قول الله عزّ وجلّ :﴿وَيُكَلّمُ النّاسَ فِي المَهْدِ وَكَهْلاً﴾ قال : رفعه الله إليه قبل أن يكون كهلاً، قال : وينزل كهلاً.
حدثنا محمد بن سنان، قال : حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قول الله عزّ وجلّ :﴿يا عِيسَى إنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إليّ﴾. . . الاَية كلها، قال : رفعه الله إليه، فهو عنده في السماء.
وقال آخرون : معنى ذلك : إني متوفيك وفاة موت. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله :﴿إنّي مُتَوَفّيكَ﴾ يقول : إني مميتك.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه اليماني أنه قال : توفي الله عيسى ابن مريم ثلاث ساعات من النهار حتى رفعه إليه.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : والنصارى يزعمون أنه توفاه سبع ساعات من النهار، ثم أحياه الله.
وقال آخرون : معنى ذلك : إذ قال الله يا عيسى، إني رافعك إليّ، ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إياك إلى الدنيا. وقال : هذا من المقدّم الذي معناه التأخير، والمؤخر الذي معناه التقديم.
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا قول من قال : معنى ذلك : إني قابضك من الأرض ورافعك إليّ، لتواتر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال :«يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيَقْتُلُ الدّجّالَ » ثُمّ يَمْكُثُ فِي الأرْض مُدّةً ذَكَرَها اختلفت الرواية في مبلغها، ثم يموت، فيصلي عليه المسلمون ويدفنونه.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن مسلم الزهري، عن حنظلة بن عليّ الأسلميّ، عن أبي هريرة، قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :«لَيُهْبِطنّ اللّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ حَكَما عَدْلاً وَإِمَاما مُقْسِطا، يَكْسِرُ الصّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الجِزْيَةَ، وَيُفِيضُ المالُ حتى لا يَجِدَ مَنْ يَأْخُذُهُ، وَلَيُسْلَكَنّ الرّوْحَاءَ حاجّا أَوْ مُعْتَمِرا، أَوْ يَدِينُ بِهِمَا جَمِيعا ».
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله ﷺ :«الأنْبِيَاءُ إخْوَةٌ لعَلاّتٍ، أمّهاتُهُمْ شَتّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَأنا أَوْلَى النّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، لأنّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيّ، وَإِنّهُ خَلِيفَتِي على أُمّتِي، وإِنّهُ نَازِلٌ فَإِذَا رَأيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ، فَإِنّهُ رَجُلٌ مَرْبُوعُ الخلْقِ إلى الحُمْرَةِ وَالبَيَاضِ سَبْطُ الشّعْرِ كأنّ شَعْرَهُ يَقْطُرُ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ بَيْنَ مُمَصّرَتَيْنِ، يَدُقّ الصّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، وَيُفِيضُ المَالُ، وَيُقَاتِلُ النّاسَ على الإسْلاَمِ حتى يُهْلِكَ اللّهُ فِي زَمَانِهِ المِلَلَ كُلّها، وَيُهْلِكَ اللّهُ فِي زَمَانِهِ مَسِيخَ الضّلاَلَةِ الكَذّابَ الدّجّالَ وَتَقَعُ فِي الأرْضِ الأمَنَةُ حتى تَرْتَعَ الأسُودُ مَعَ الإبِلِ، وَالنّمْرُ مَعَ البَقَرِ، وَالذّئابُ مَعَ الغَنَمِ، وَتَلْعَبُ الغِلْمَانُ بالحَيّاتِ، لاَ يَضُرّ بَعْضُهُمْ بَعْضا، فَيَثْبُتُ فِي الأَرْضِ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمّ يُتَوَفّى وَيُصَلّي المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ وَيَدْفِنُونَهُ ».
قال أبو جعفر : ومعلوم أنه لو كان قد أماته الله عزّ وجلّ لم يكن بالذي يميته ميتة أخرى، فيجمع عليه ميتتين، لأن الله عزّ وجلّ إنما أخبر عباده أنه يخلقهم ثم يميتهم، ثم يحييهم، كما قال جل ثناؤه¹ ﴿اللّهُ الّذِي خَلَقَكُمْ ثُمّ رَزَقَكُمْ ثُمّ يُمِيتُكُمْ ثُمّ يُحْييكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْء﴾.
فتأويل الاَية إذا : قال الله لعيسى : يا عيسى إني قابضك من الأرض ورافعك إليّ، ومطهرك من الذين كفروا، فجحدوا نبوتك. وهذا الخبر وإن كان مخرجه مخرج خبر، فإن فيه من الله عز وجل احتجاجا على الذين حاجوا رسول الله ﷺ في عيسى من وفد نجران، بأن عيسى لم يقتل ولم يصلب كما زعموا، وأنهم واليهود الذين أقروا بذلك وادعوا على عيسى كَذَبةٌ في دعواهم وزعمهم. كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير ثم أخبرهم يعني الوفد من نجران وردّ عليهم فيما أخبروا هم واليهود بصلبه، كيف رفعه وطهره منهم، فقال :﴿إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِليّ﴾.
وأما مطهرك من الذين كفروا، فإنه يعني منظّفك، فمخلّصك ممن كفر بك وجحد ما جئتهم به من الحق من اليهود وسائر الملل غيرها. كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير :﴿وَمُطَهّرُكَ مِنَ الّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال : إذ همّوا منك بما همّوا.
حدثني محمد بن سنان، قال : حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن، في قوله :﴿وَمُطَهّرُكَ مِنَ الّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال : طهره من اليهود والنصارى والمجوس، ومن كفار قومه.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَجاعِلُ الّذِينَ اتّبَعُوكَ فَوْقَ الّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيَامَةِ﴾.


( يعني بذلك جل ثناؤه : وجاعل الذين اتبعوك على منهاجك وملتك من الإسلام وفطرته فوق الذين جحدوا نبوتك، وخالفوا بسبيلهم جميع أهل الملل، فكذبوا بما جئت به، وصدوا عن الإقرار به، فمصيرهم فوقهم ظاهرين عليهم. ) كما :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله :﴿وَجَاعِلُ الّذِينَ اتّبَعُوكَ فَوْقَ الّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيَامَةِ﴾ هم أهل الإسلام الذين اتبعوه على فطرته وملته وسنته فلا يزالون ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله :﴿وَجَاعِلُ الّذِينَ اتّبَعُوكَ فَوْقَ الّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيَامَةِ﴾ ثم ذكر نحوه.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج :﴿وَجاعِلُ الّذِينَ اتّبَعُوكَ فَوْقَ الّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيَامَةِ﴾ ثم ذكر نحوه.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج :﴿وَجَاعِلُ الّذِينَ اتّبَعُوكَ فَوْقَ الّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيَامَةِ﴾ قال : ناصر من اتبعك على الإسلام على الذين كفروا إلى يوم القيامة.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿وَجَاعِلُ الّذِينَ اتّبَعُوكَ فَوْقَ الّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيَامَةِ﴾ أما الذين اتبعوك، فيقال : هم المؤمنون وليس هم الروم.
حدثني محمد بن سنان، قال : حدثنا أبو بكر الحنفيّ، عن عباد، عن الحسن :﴿وَجَاعِلُ الّذِينَ اتّبَعُوكَ فَوْقَ الّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيَامَةِ﴾ قال : جعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، قال : المسلمون من فوقهم، وجعلهم أعلى ممن ترك الإسلام إلى يوم القيامة.
وقال آخرون : ومعنى ذلك : وجاعل الذين اتبعوك من النصارى فوق اليهود. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قول الله :{

تفسير هذه الآية من كتب أخرى