تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور

عن الكتاب
إنّ انتفاء محبة الله الظالمين يستلزم أنه يحبّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلذلك يعطيهم ثوابهم وافياً.
ومعنى كونهم ظالمين أنهم ظلَموا أنفسهم بكفرهم وظلَمَ النصارى الله بأن نقصوه بإثبات ولد له وظلموا عيسى بأن نسبوه ابناً للَّه تعالى، وظلمه اليهود بتكذيبهم إياه وأذاهم.
وعذاب الدنيا هو زوال الملك وضرب الذلة والمسكنة والجزية، والتشريد في الأقطار، وكونهم يعيشون تبعاً للناس، وعذاب الآخرة هو جهنم. ومعنى ﴿وما لهم من ناصرين﴾ أنهم لا يجدون ناصراً يدفع عنهم ذلك وإن حاوله لم يظفَر به وأسند ﴿فنوفيهم﴾ إلى نون العظمة تنبيهاً على عظمة مفعول هذا الفاعل ؛ إذ العظيم يعطى عظيماً. والتقدير ﴿فيوفيهم أجورهم في الدنيا والآخرة﴾ بدليل مقابله في ضدّهم من قوله :﴿فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة﴾ وتوفية الأجور في الدنيا تظهر في أمور كثيرة : منها رضا اللَّهِ عنهم، وبَركاته معهم، والحياة الطيبة، وحسن الذكر. وجملة ﴿والله لا يحب الظالمين﴾ تذييل، وفيها اكتفاء : أي ويحبّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
وقرأ الجمهور : فنوفيهم بالنون وقرأه حفص عن عاصم، ورويس عن يعقوب، فيوفيهم بياء الغائب على الالتفات.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى