البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
﴿إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء﴾ شيء نكرة في سياق النفي، فتعم، وهي دالة على كمال العلم بالكليات والجزئيات، وعبر عن جميع العالم بالأرض والسماء، إذ هما أعظم ما نشاهده.
والتصوير على ما شاء من الهيئات دال على كمال القدرة، وبالعلم والقدرة يتم معنى القيومية، إذ هو القائم بمصالح الخلق ومهماتهم، وفي ذلك ردّ على النصارى، إذ شبهتهم في إدعاء إلهية عيسى كونه : يخبر بالغيوب، وهذا راجع إلى العلم، وكونه : يحيي الموتى، وهو راجع إلى القدرة.
فنبهت الآية على أن الإله هو العالم بجميع الأشياء، فلا يخفي عليه شيء، ولا يلزم من كون عيسى عالماً ببعض المغيبات أن يكون إلها، ومن المعلوم بالضرورة أن عيسى لم يكن عالماً بجميع المعلومات، ونبهت على أن الإله هو ذو القدرة التامة، فلا يمتنع عليه شيء، ولا يلزم من كون عيسى قادراً على الإحياء في بعض الصور أن يكون إلهاً، ومن المعلوم بالضرورة أن عيسى لم يكن قادراً على تركيب الصور وإحيائها، بل إنباؤه ببعض المغيبات، وخلقه وأحياؤه بعض الصور، إنما كان ذلك بإنباء الله له على سبيل الوحي، وإقداره تعالى له على ذلك، وكلها على سبيل المعجزة التي أجراها، وأمثالها، على أيدي رسله.
وفي ذكر التصوير في الرحم ردّ على من زعم أن عيسى إله، إذ من المعلوم بالضرورة أنه صور في الرحم.
وقيل : في قوله ﴿لا يخفى عليه شيء﴾ تحذير من مخالفته سراً وجهراً، ووعيد بالمجازاة وقيل : المعنى شيء مما يقولونه في أمر عيسى عليه السلام.
وقال الزمخشري : مطلع على كفر من كفر، وإيمان من آمن، وهو مجازيهم عليه.
وقال الماتريدي : لا يخفى عليه شيء من الأمور الخفية عن الخلق، فكيف تخفى عليه أعمالكم التي هي ظاهرة عندكم ؟ وكل هذه تخصيصات.
واللفظ عام، فيندرج فيه هذا كله.
وقال الراغب : لا يخفى عليه شيء، أبلغ من : يعلم في الأصل، وإن كان استعمال اللفظين فيه يفيدان معنى واحداً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: قيل : وتضمنت هذه الآيات من ضروب الفصاحة.
حسن الإبهام، وهو فيما افتتحت به، لينبه الفكر إلى النظر فيما بعده من الكلام.
ومجاز التشبيه في مواضع منها ﴿نزل عليك الكتاب﴾ وحقيقة النزول طرح جرم من علوٍ إلى أسفل، والقرآن مثبت في اللوح الحفوظ، فلما أثبت في القلب صار بمنزلة جرم ألقي من علو إلى أسفل فشبه به، وأطلق عليه لفظ الإنزال.
وفي قوله :﴿لما بين يديه﴾ القرآن مصدّق لما تقدّمه من الكتب، شبه بالإنسان الذي بين يديه شيء يناله شيئاً فشيئاً.
وفي قوله :﴿وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان﴾ أقام المصدر فيه مقام اسم الفاعل، فجعل التوراة كالرجل الذي يوري عنك أمراً، أي : يستره لما فيها من المعاني الغامضة، والإنجيل شبه لما فيه من اتساع الترغيب والترهيب والمواعظ والخضوع بالعين النجلاء، وجعل ذلك هدى لما فيه من الإرشاد، كالطريق الذي يهديك إلى المكان الذي ترومه، وشبه الفرقان بالجرم الفارق بين جرمين.
وفي قوله :﴿عذاب شديد﴾ شبه ما يحصل للنفس من ضيق العذاب وألمه بالمشدود الموثق المضيق عليه.
وفي قوله :﴿يصوركم﴾ شبه أمره بقوله : كن أو تعلق إرادته بكونه جاء على غاية من الإحكام والصنع بمصوّر يمثل شيئاً، فيضم جرماً إلى جرم، ويصوّر منه صورة.
وفي قوله :﴿منه آيات محكمات﴾ جعل ما اتضح من معاني كتابه، وظهرت آثار الحكمة عليه محكماً، وشبه المحكم لما فيه من أصول المعاني التي تتفرّع منها فروع متعدّدة ترجع إليها بالأم التي يرجع إليها ما تفرّع من نسلها ويؤمونها، وشبه ما خفيت معانيه لاختلاف أنحائه كالفواتح، والألفاظ المحتملة معاني شتى، والأيات الدالة على أمر المعاد والحساب بالشيء المشتبه الملبس أمره الذي وجم العقل عن تكييفه.
وفي قوله :﴿في قلوبهم زيغ﴾ شبه القلب المائل عن القصد بالشيء الزائغ عن مكانه.
وفي قوله :﴿وهب لنا من لدنك رحمة﴾ شبه المعقول من الرحمة عن إرادة الخير، بالمحسوس من الأجرام من العوض والمعوض في الهبة.
وفي قوله :﴿وقود النار﴾ شبهم بالحطب الذي لا ينتفع به إلاَّ في الوقود.
وقال تعالى :﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ والحصب الحطب بلغة الحبشة.
وفي قوله :﴿فأخذهم الله بذنوبهم﴾ شبه إحاطة عذابه بهم بالمأخوذ باليد المتصرف فيه بحكم إرادة الأخذ.
وقيل : هذه كلها استعارات، ولا تشبيه فيها إلاَّ ﴿كدأب آل فرعون﴾ فإنه صرح فيه بذكر أداة التشبيه.
والاختصاص في مواضع، منها في قوله :﴿نزل عليك الكتاب﴾ إلى ﴿وأنزل الفرقان﴾ على من فسره بالزبور، واختص الأربعة دون بقية ما أنزل، لأن أصحاب الكتب إذ ذاك : المؤمنون، واليهود، والنصارى.
وفي قوله :﴿لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء﴾ خصَّهما لأنهما أكبر مخلوقاته الظاهرة لنا، ولأنهما محلان للعقلاء، ولأن منهما أكثر المنافع المختصة بعباده.
وفي قوله :﴿والراسخون﴾ اختصهم بخصوصية الرسوخ في العلم بهم ؛ وفي قوله :﴿أولوا الألباب﴾ لأن العقلاء لهم خصوصية التمييز، والنظر، والاعتيار.
وفي قوله :﴿لا تزغ قلوبنا﴾ اختص القلوب لأن بها صلاح الجسد وفساده، وليس كذلك بقية الأعضاء، ولأنها محل الإيمان ومحل العقل على قول من يقول ذلك.
وفي قوله :﴿إنك جامع الناس ليوم﴾ هو جامعهم في الدنيا على وجه الأرض أحياءً وفي بطنها أمواتاً، لأن في ذلك اليوم الجمع الأكبر، وهو الحشر، ولا يكون إلاَّ في ذلك اليوم، ولا جامع إلاَّ هو تعالى.
وفي قوله :﴿إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم﴾ اختص الكفار لأن المؤمنين تغني عنهم أموالهم التي ينفقونها في وجوه البر، فهم يجنون ثمرتها في الآخرة، وتنفعهم أولادهم في الآخرة، يسقونهم ويكونون لهم حجاباً من النار، ويشفعون فيهم إذا ماتوا صغاراً، وينفعونهم بالدعاء الصالح كباراً.
وكل هذا ورد به الحديث الصحيح.
وفي قوله :﴿كدأب آل فرعون﴾ خصهم بالذكر، وقدمهم لأنهم أكثر الأمم طغياناً، وأعظمهم تعنتاً على أنبيائهم، فكانوا أشد الناس عذاباً.
والحذف في مواضع، في قوله :﴿لما بين يديه﴾ أي : من الكتب و ﴿أنزل التوراة والإنجيل﴾ أي : وأنزل الإنجيل، لأن الإنزالين في زمانين ﴿هدى للناس﴾ أي : الدين أراد هداهم :﴿عذاب شديد﴾، أي يوم القيامة،.
﴿ذو انتقام﴾ أي ممن أراد عقوبته ﴿في الأرض ولا في السماء﴾ أي ولا في غيرهما ﴿العزيز﴾ أي : في ملكه.
﴿الحكيم﴾ أي في صنعه ﴿وأخر﴾ أي : آيات أُخر ﴿زيغ﴾ أي عن الحق ﴿إبتغاء الفتنة﴾ أي : لكم ﴿وابتغاء تأويله﴾ أي : على غير الوجه المراد منه ﴿وما يعلم تأويله﴾ أي : على الحقيقة المطلوبة ﴿ربنا﴾ أي يا ربنا ﴿لا تزغ قلوبنا﴾ أي : عن الحق ﴿بعد إذ هديتنا﴾ أي : إليه ﴿كذبوا بآياتنا﴾ أي : المنزلة على الرسل، أو المنصوبات علماً على التوحيد ﴿بذنوبهم﴾ أي السالفة.
والتكرار : نزل عليك الكتاب، وأنزل التوراة، وأنزل الفرقان.
كرر لاختلاف الإنزال، وكيفيته، وزمانه، بآيات الله، والله كرر اسمه تعالى تفخيماً، لأن في ذكر المظهر من التفخيم ما ليس في المضمر.
لا إله إلاَّ هو الحي القيوم، لا إله إلا هو العزيز.
كرر الجملة تنبيهاً على استقرار ذلك في النفوس، ورداً على من زعم أن معه إلهاً غيره.
ابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله.
كرر لاختلاف التأويلين، أو للتفخيم لشأن التأويل.
ربنا لا تزغ، ربنا إنك.
كرر الدعاء تنبيهاً على ملازمته، وتحذيراً من الغفلة عنه لما فيه من إظهار الافتقار.
والتقديم والتأخير، وذلك في ذكر إنزال الكتب، لم يجيء الإخبار عن ذلك على حسب الزمان، إذ التوراة أولاً، ثم الزبور، ثم الإنجيل، ثم القرآن.
وقدم القرآن لشرفه، وعظم ثوابه ونسخه لما تقدم، وبقائه، واستمرار حكمه إلى آخر الزمان.
وثنى بالتوراة لما فيها من الأحكام الكثيرة، والقصص، وخفايا الاستنباط.
وروى : أن التوراة حين نزلت كانت سبعين وسقاً، ثم ثلث بالإنجيل، لأنه كتاب فيه من المواعظ والحكم ما لا يحصى، ثم تلاه بالزبور لأن فيه مواعظ وحكما لم تبلغ مبلغ الإنجيل، وهذا إذا قلنا إن الفرقان هو الزبور.
وفي قوله :﴿في الأرض ولا في السماء﴾ قدم الأرض على السماء وإن كانت السماء أكثر في العوالم، وأكبر في الأجرام، وأكبر في الدلائل والآيات، وأجزل في الفضائل لطهارة سكانها، بخلاف سكان الأرض، ليعلمهم، إطلاعه على خفايا أمورهم، فاهتم بتقديم محلهم عسى أن يزدجروا عن قبيح أفعالهم، لأنه إذا أنبه على أن الله لا يخفى عليه شيء من أمره، استحيا منه.
والالتفات ﴿ربنا إنك جامع﴾ ثم قال ﴿إن الله﴾ وفي قوله :﴿كذبوا بآياتنا﴾ ثم قال ﴿والله شديد العقاب﴾.
والتأكيد :﴿وأولئك هم وقود النار﴾ فاكد بلفظة : هم، وأكد بقوله :﴿هو الذي يصوركم﴾ قوله ﴿لا إله إلا هو﴾ وأكد بقوله ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب﴾ قوله ﴿نزل عليك الكتاب﴾.
والتوسع بإقامة المصدر مقام اسم الفاعل في قوله : هدى، والفرقان، أي : هادياً، والفارق.
وبإقامة الحرف مقام الظرف في قوله : من الله، أي : عند الله، على قول من أوَّل : من، بمعنى : عند.
والتجنيس المغاير في قوله : وهب، والوهاب.
والتصوير على ما شاء من الهيئات دال على كمال القدرة، وبالعلم والقدرة يتم معنى القيومية، إذ هو القائم بمصالح الخلق ومهماتهم، وفي ذلك ردّ على النصارى، إذ شبهتهم في إدعاء إلهية عيسى كونه : يخبر بالغيوب، وهذا راجع إلى العلم، وكونه : يحيي الموتى، وهو راجع إلى القدرة.
فنبهت الآية على أن الإله هو العالم بجميع الأشياء، فلا يخفي عليه شيء، ولا يلزم من كون عيسى عالماً ببعض المغيبات أن يكون إلها، ومن المعلوم بالضرورة أن عيسى لم يكن عالماً بجميع المعلومات، ونبهت على أن الإله هو ذو القدرة التامة، فلا يمتنع عليه شيء، ولا يلزم من كون عيسى قادراً على الإحياء في بعض الصور أن يكون إلهاً، ومن المعلوم بالضرورة أن عيسى لم يكن قادراً على تركيب الصور وإحيائها، بل إنباؤه ببعض المغيبات، وخلقه وأحياؤه بعض الصور، إنما كان ذلك بإنباء الله له على سبيل الوحي، وإقداره تعالى له على ذلك، وكلها على سبيل المعجزة التي أجراها، وأمثالها، على أيدي رسله.
وفي ذكر التصوير في الرحم ردّ على من زعم أن عيسى إله، إذ من المعلوم بالضرورة أنه صور في الرحم.
وقيل : في قوله ﴿لا يخفى عليه شيء﴾ تحذير من مخالفته سراً وجهراً، ووعيد بالمجازاة وقيل : المعنى شيء مما يقولونه في أمر عيسى عليه السلام.
وقال الزمخشري : مطلع على كفر من كفر، وإيمان من آمن، وهو مجازيهم عليه.
وقال الماتريدي : لا يخفى عليه شيء من الأمور الخفية عن الخلق، فكيف تخفى عليه أعمالكم التي هي ظاهرة عندكم ؟ وكل هذه تخصيصات.
واللفظ عام، فيندرج فيه هذا كله.
وقال الراغب : لا يخفى عليه شيء، أبلغ من : يعلم في الأصل، وإن كان استعمال اللفظين فيه يفيدان معنى واحداً.
حسن الإبهام، وهو فيما افتتحت به، لينبه الفكر إلى النظر فيما بعده من الكلام.
ومجاز التشبيه في مواضع منها ﴿نزل عليك الكتاب﴾ وحقيقة النزول طرح جرم من علوٍ إلى أسفل، والقرآن مثبت في اللوح الحفوظ، فلما أثبت في القلب صار بمنزلة جرم ألقي من علو إلى أسفل فشبه به، وأطلق عليه لفظ الإنزال.
وفي قوله :﴿لما بين يديه﴾ القرآن مصدّق لما تقدّمه من الكتب، شبه بالإنسان الذي بين يديه شيء يناله شيئاً فشيئاً.
وفي قوله :﴿وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان﴾ أقام المصدر فيه مقام اسم الفاعل، فجعل التوراة كالرجل الذي يوري عنك أمراً، أي : يستره لما فيها من المعاني الغامضة، والإنجيل شبه لما فيه من اتساع الترغيب والترهيب والمواعظ والخضوع بالعين النجلاء، وجعل ذلك هدى لما فيه من الإرشاد، كالطريق الذي يهديك إلى المكان الذي ترومه، وشبه الفرقان بالجرم الفارق بين جرمين.
وفي قوله :﴿عذاب شديد﴾ شبه ما يحصل للنفس من ضيق العذاب وألمه بالمشدود الموثق المضيق عليه.
وفي قوله :﴿يصوركم﴾ شبه أمره بقوله : كن أو تعلق إرادته بكونه جاء على غاية من الإحكام والصنع بمصوّر يمثل شيئاً، فيضم جرماً إلى جرم، ويصوّر منه صورة.
وفي قوله :﴿منه آيات محكمات﴾ جعل ما اتضح من معاني كتابه، وظهرت آثار الحكمة عليه محكماً، وشبه المحكم لما فيه من أصول المعاني التي تتفرّع منها فروع متعدّدة ترجع إليها بالأم التي يرجع إليها ما تفرّع من نسلها ويؤمونها، وشبه ما خفيت معانيه لاختلاف أنحائه كالفواتح، والألفاظ المحتملة معاني شتى، والأيات الدالة على أمر المعاد والحساب بالشيء المشتبه الملبس أمره الذي وجم العقل عن تكييفه.
وفي قوله :﴿في قلوبهم زيغ﴾ شبه القلب المائل عن القصد بالشيء الزائغ عن مكانه.
وفي قوله :﴿وهب لنا من لدنك رحمة﴾ شبه المعقول من الرحمة عن إرادة الخير، بالمحسوس من الأجرام من العوض والمعوض في الهبة.
وفي قوله :﴿وقود النار﴾ شبهم بالحطب الذي لا ينتفع به إلاَّ في الوقود.
وقال تعالى :﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ والحصب الحطب بلغة الحبشة.
وفي قوله :﴿فأخذهم الله بذنوبهم﴾ شبه إحاطة عذابه بهم بالمأخوذ باليد المتصرف فيه بحكم إرادة الأخذ.
وقيل : هذه كلها استعارات، ولا تشبيه فيها إلاَّ ﴿كدأب آل فرعون﴾ فإنه صرح فيه بذكر أداة التشبيه.
والاختصاص في مواضع، منها في قوله :﴿نزل عليك الكتاب﴾ إلى ﴿وأنزل الفرقان﴾ على من فسره بالزبور، واختص الأربعة دون بقية ما أنزل، لأن أصحاب الكتب إذ ذاك : المؤمنون، واليهود، والنصارى.
وفي قوله :﴿لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء﴾ خصَّهما لأنهما أكبر مخلوقاته الظاهرة لنا، ولأنهما محلان للعقلاء، ولأن منهما أكثر المنافع المختصة بعباده.
وفي قوله :﴿والراسخون﴾ اختصهم بخصوصية الرسوخ في العلم بهم ؛ وفي قوله :﴿أولوا الألباب﴾ لأن العقلاء لهم خصوصية التمييز، والنظر، والاعتيار.
وفي قوله :﴿لا تزغ قلوبنا﴾ اختص القلوب لأن بها صلاح الجسد وفساده، وليس كذلك بقية الأعضاء، ولأنها محل الإيمان ومحل العقل على قول من يقول ذلك.
وفي قوله :﴿إنك جامع الناس ليوم﴾ هو جامعهم في الدنيا على وجه الأرض أحياءً وفي بطنها أمواتاً، لأن في ذلك اليوم الجمع الأكبر، وهو الحشر، ولا يكون إلاَّ في ذلك اليوم، ولا جامع إلاَّ هو تعالى.
وفي قوله :﴿إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم﴾ اختص الكفار لأن المؤمنين تغني عنهم أموالهم التي ينفقونها في وجوه البر، فهم يجنون ثمرتها في الآخرة، وتنفعهم أولادهم في الآخرة، يسقونهم ويكونون لهم حجاباً من النار، ويشفعون فيهم إذا ماتوا صغاراً، وينفعونهم بالدعاء الصالح كباراً.
وكل هذا ورد به الحديث الصحيح.
وفي قوله :﴿كدأب آل فرعون﴾ خصهم بالذكر، وقدمهم لأنهم أكثر الأمم طغياناً، وأعظمهم تعنتاً على أنبيائهم، فكانوا أشد الناس عذاباً.
والحذف في مواضع، في قوله :﴿لما بين يديه﴾ أي : من الكتب و ﴿أنزل التوراة والإنجيل﴾ أي : وأنزل الإنجيل، لأن الإنزالين في زمانين ﴿هدى للناس﴾ أي : الدين أراد هداهم :﴿عذاب شديد﴾، أي يوم القيامة،.
﴿ذو انتقام﴾ أي ممن أراد عقوبته ﴿في الأرض ولا في السماء﴾ أي ولا في غيرهما ﴿العزيز﴾ أي : في ملكه.
﴿الحكيم﴾ أي في صنعه ﴿وأخر﴾ أي : آيات أُخر ﴿زيغ﴾ أي عن الحق ﴿إبتغاء الفتنة﴾ أي : لكم ﴿وابتغاء تأويله﴾ أي : على غير الوجه المراد منه ﴿وما يعلم تأويله﴾ أي : على الحقيقة المطلوبة ﴿ربنا﴾ أي يا ربنا ﴿لا تزغ قلوبنا﴾ أي : عن الحق ﴿بعد إذ هديتنا﴾ أي : إليه ﴿كذبوا بآياتنا﴾ أي : المنزلة على الرسل، أو المنصوبات علماً على التوحيد ﴿بذنوبهم﴾ أي السالفة.
والتكرار : نزل عليك الكتاب، وأنزل التوراة، وأنزل الفرقان.
كرر لاختلاف الإنزال، وكيفيته، وزمانه، بآيات الله، والله كرر اسمه تعالى تفخيماً، لأن في ذكر المظهر من التفخيم ما ليس في المضمر.
لا إله إلاَّ هو الحي القيوم، لا إله إلا هو العزيز.
كرر الجملة تنبيهاً على استقرار ذلك في النفوس، ورداً على من زعم أن معه إلهاً غيره.
ابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله.
كرر لاختلاف التأويلين، أو للتفخيم لشأن التأويل.
ربنا لا تزغ، ربنا إنك.
كرر الدعاء تنبيهاً على ملازمته، وتحذيراً من الغفلة عنه لما فيه من إظهار الافتقار.
والتقديم والتأخير، وذلك في ذكر إنزال الكتب، لم يجيء الإخبار عن ذلك على حسب الزمان، إذ التوراة أولاً، ثم الزبور، ثم الإنجيل، ثم القرآن.
وقدم القرآن لشرفه، وعظم ثوابه ونسخه لما تقدم، وبقائه، واستمرار حكمه إلى آخر الزمان.
وثنى بالتوراة لما فيها من الأحكام الكثيرة، والقصص، وخفايا الاستنباط.
وروى : أن التوراة حين نزلت كانت سبعين وسقاً، ثم ثلث بالإنجيل، لأنه كتاب فيه من المواعظ والحكم ما لا يحصى، ثم تلاه بالزبور لأن فيه مواعظ وحكما لم تبلغ مبلغ الإنجيل، وهذا إذا قلنا إن الفرقان هو الزبور.
وفي قوله :﴿في الأرض ولا في السماء﴾ قدم الأرض على السماء وإن كانت السماء أكثر في العوالم، وأكبر في الأجرام، وأكبر في الدلائل والآيات، وأجزل في الفضائل لطهارة سكانها، بخلاف سكان الأرض، ليعلمهم، إطلاعه على خفايا أمورهم، فاهتم بتقديم محلهم عسى أن يزدجروا عن قبيح أفعالهم، لأنه إذا أنبه على أن الله لا يخفى عليه شيء من أمره، استحيا منه.
والالتفات ﴿ربنا إنك جامع﴾ ثم قال ﴿إن الله﴾ وفي قوله :﴿كذبوا بآياتنا﴾ ثم قال ﴿والله شديد العقاب﴾.
والتأكيد :﴿وأولئك هم وقود النار﴾ فاكد بلفظة : هم، وأكد بقوله :﴿هو الذي يصوركم﴾ قوله ﴿لا إله إلا هو﴾ وأكد بقوله ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب﴾ قوله ﴿نزل عليك الكتاب﴾.
والتوسع بإقامة المصدر مقام اسم الفاعل في قوله : هدى، والفرقان، أي : هادياً، والفارق.
وبإقامة الحرف مقام الظرف في قوله : من الله، أي : عند الله، على قول من أوَّل : من، بمعنى : عند.
والتجنيس المغاير في قوله : وهب، والوهاب.