اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
القراء في هذه على أربع مراتِبَ، والإعراب متوقِّفٌ على ذلك :
المرتبة الأولى للكوفيين وابن عامر والبَزِّي عن ابن كثير(١) : ها أنتم - بألف بعد الهاء، وهمزة مخففة بعدها.
المرتبة الثانية لأبي عمرو وقالون عن نافع : بألف بعد الهاء، وهمزة مسهَّلَة بين بين بعدها.
المرتبة الثالثة لورش، وله وجهانِ :
أحدهما : بهمزة مسهلة بين بين بعد الهاء دون ألف بينهما.
الثاني : بألفٍ صريحةٍ بعد الهاء بغير همزة بالكلية.
المرتبة الرابعة لقُنْبُل بهمزة مُخَفَّفَة بعد الهاء دون ألف.
اختلف الناسُ في هذه الهاء : فمنهم من قال : إنها " ها " التي للتنبيه الداخلة على أسماء الإشارة، وقد كثر الفصلُ بينها وبين أسماء الإشارةِ بالضمائر المرفوعة المنفصلة، نحو : ها أنت ذا قائماً، وها نحن، وها هم، وهؤلاء، وقد تُعادُ مع الإشارة بعد دخولها على الضمائرِ ؛ توكيداً، كهذه الآية، ويقل الفصل بغير ذلك كقوله :[ البسيط ]
وقول النابغة :[ البسيط ]
ومنهم من قال : إنها مُبْدَلَةٌ من همزة الاستفهام، والأصل : أأنتم ؟ وهو استفهام إنكار، وقد كثر إبدال الهمزة هاء - وإن لم ينقس - قالوا هَرَقْتُ، وهَرَحْتُ، وهَنَرتُ، وهذا قول أبي عمرو بن العلاء، وأبي الحسن الأخفش، وجماعة، وأستحسنه أبو جعفر، وفيه نظرٌ ؛ من حيث إنه لم يثبُت ذلك في همزة الاستفهام، لم يُسْمَع : هَتَضْرِبُ زَيْداً - بمعنى أتَضْرِبُ زيداً ؟ وإذا لم يثبت ذلك فكيف يُحْمَلُ هذا عليه ؟
هذا معنى ما اعترض به أبو حيان على هؤلاء الأئمةِ، وإذا ثبت إبدال الهمزة هاءٌ هان الأمر، ولا نظر إلى كونها همزةَ استفهام، ولا غيرها، وهذا - أعني كونها همزة استفهام أبْدِلت هاءً - ظاهر قراءة قُنْبُلٍ، وورش ؛ لأنهما لا يُدْخِلان ألفاً بين الهاء وهمزة " أنتم " ؛ لأن إدخال الألف لما كان لاستثقال توالي همزتين، فلما أبدلت الهمزة هاء زال الثقل لفظاً ؛ فلم يُحتَج إلى فاصلةٍ، وقد جاء إبدال همزة الاستفهام ألفاً في قول الشاعر :
يريد أذا الذي ؟
ويضعف جعلها - على قراءتهما - " ها " التي للتنبيه ؛ لأنه لم يُحْفَظ حَذْفُ ألِفِها، لا يقال : هَذَا زيد - بحذف ألف " ها " - كذا قيل.
قال شهاب الدّينِ :" وقد حذفها ابنُ عامر في ثلاثة مواضع - إلا أنه ضم الهاء الباقية بعد حذف الألف - فقرأ - في الوصل- :﴿يَأَيُّهَا السَّاحِرُ﴾ [الزخرف: ٤٩] و ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١]، و ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلاَنِ﴾ [الرحمن: ٣١]، ولكن إنما فعل ذلك اتباعاً للرسم ؛ لأن الألفَ حُذِفَتْ في مرسوم مصحف الشام في هذه الثلاثة، وعلى الجملة فقد ثبت حذف ألف " ها " التي للتنبيه. وأمَّا من أثبت الألف بَيْن الهاء وبين همزة " أنتم " فالظاهر أنها للتنبيه، ويضعف أن تكون بدلاً من همزة الاستفهام ؛ لما تقدم من أن الألف إنما تدخل لأجل الثقل، والثقل قد زال بإبدال الهمزة هاء، وقال بعضهم : الذي يقتضيه النظر أن تكون " ها " - في قراءة الكوفيين والبَزِّيّ وابن ذكوان -، للتنبيه ؛ لأن الألف في قراءتهم ثابتة، وليس من مذهبهم أن يفصلوا بين الهمزتين بألف، وأن تكون في قراءة قُنْبُل وورش - مُبْدَلَة من همزة ؛ لأن قُنْبُلاً يقرأ بهمزة بعد الهاء، ولو كانت " ها " للتنبيه لأتى بألف بعد الهاء، وإنما لم يُسهِّل الهمزة - كما سَهَّلَها في ﴿ءَأَنذَرْتَهُمْ﴾ ونحوه لأن إبدال الأولى هاء أغناه عن ذلك، ولأن ورشاً فعل فيه ما فعل في :﴿ءَأَنذَرْتَهُمْ﴾ ونحوه من تسهيل الهمزة، وترك إدخال الألفِ، وكان الوجه في قراءته بالألف - أيضاً - الحمل على البدل كالوجه الثاني في ﴿ءَأَنذَرْتَهُمْ﴾ ونحوه.
وما عدا هؤلاء المذكورين - وهم أبو عمرو وهشام وقالون - يحتمل أن تكون " ها " للتنبيه، وأن تكون بدلاً من همزة الاستفهام.
أما الوجه الأول فلأن " ها " التنبيه دخلت على " أنتم " فحَقَّق هشام الهمزة كما حققها في " هؤلاء " ونحوها، وَخَفَّفَهَا قالون وأبو عمرو ؛ لتوسُّطِها بدخول حرف التنبيه عليها، وتخفيف الهمزة المتوسطة قَوِيٌّ.
الوجهُ الثاني : أن تكونَ الهاءُ بدلاً من همزة الاستفهام ؛ لأنهم يَفْصِلُون بين الهمزتين بألفٍ، فيكون أبو عمرو وقالون على أصلهما(٥) - في إدخال الألف والتسهيل - وهشام على أصله - في إدخال الألف والتحقيق - ولم يُقْرَأ بالوجه الثاني - وهو التسهيل - لأن إبدال الهمزة الأولى هاءً مُغْنٍ عن ذلك.
وقال آخرون : إنه يجوز أن تكون " ها " - في قراءة الجميع - مُبْدَلَةً من همزة، وأن تكون التي للتنبيه دخلت على " أنتم " ذكر ذلك أبو علي الفارسي والمَهْدَوِي ومَكِيّ في آخرين.
فأما احتمال هذين الوجهين - في قراءة أبي عمرو وقالون عن نافع، وهشام عن ابن عامر- فقد تقدم توجيهه، وأما احتمالهما في قراءة غيرهم، فأما الكوفيون والبَزِّيُّ وابنُ ذكوان فقد تقدم توجيه كون " ها " - عندهم - للتنبيه، وأما توجيه كونها بدلاً من الهمزة - عندهم - أن يكون الأصل أنه أأنتم، ففصلوا بالألف - على لغة مَنْ قال :[ الطويل ]
. . . *** آأَنتِ أمْ أمُّ سَالِمِ(٦)
ولم يعبئوا بإبدال الهمزة الأولى هاءً ؛ لكَوْن البدَلِ فيها عارضاً، وهؤلاء، وإن لم يكن من مذهبهم الفصل لكنهم جمعوا بين اللغتين.
وأما توجيه كونها بدلاً من الهمزة - في قراءة قُنْبُلٍ وورشٍ - فقد تقدم، وأما توجيه كونها للتنبيه في قراءتهما - وإن لم يكن فيها ألف - أن تكون الألف حُذِفَتْ لكثرة الاستعمال، وعلى قول مَنْ أبدل كورشٍ حذفت إحدى الألفين ؛ لالتقاء الساكنين.
قال أبو شَامَةَ : الأوْلَى في هذه الكلمة - على جميع القراءات فيها - أن تكون " ها " للتنبيه ؛ لأنا إن جعلناها بدلاً من همزةٍ كانت الهمزةُ همزةَ استفهامٍ، و ﴿هأَنْتُمْ﴾ أينما جاءت في القرآن إنما جاءت للخبر، لا للاستفهام، ولا مانع من ذلك إلا تسهيلُ مَنْ سَهَّل، وحَذْفُ مَنْ حذف، أما التسهيل فقد سبق تشبيهه بقوله :﴿لأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] وشبهه، وأما الحذف فنقول :" ها " مثل " أما " - كلاهما حرف تنبيه - وقد ثبت جواز حذف ألف " أما " فكذا حذف ألف " ها " وعلى ذلك قولهم : أمَ واللهِ لأفْعَلَنَّ.
وقد حمل البصريون قولهم :" هَلُمَّ " على أن الأصل " هَالُمَّ "، ثم حذف ألف " ها " فكذا ﴿هأَنْتُمْ﴾. وهو كلام حَسَنٌ، إلا أنَّ قوله : إن ﴿هأَنْتُمْ﴾ - حيث جاءت - كانت خبراً، لا استفهاماً ممنوع، بل يجوز ذلك، ويجوز الاستفهام، انتهى.
ذكر الفرّاءُ أيضاً - هنا - بحثاً بالنسبة إلى القصر والمد، فقال : من أثبت الألفَ في " ها "، واعتقدها للتنبيه، وكان مذهبُه أن يقصر في المنفصل، فقياسه هنا قَصْر الألف سواء حقَّق الهمزة، أو سهلها، وأمّا من جعلها للتنبيه، ومذهبه المد في المنفصل، أو جعل الهاء مبدلة من همزة استفهام - فقياسه أن يمد - سواء حقق الهمزة أو سهلها-.
وأما ورش فقد تقدم عنه وجهان : إبدال الهمزة - من " أنتم " - ألفاً، وتسهيلها بَيْن بَيْنَ، فإذا أبدل مَدَّ، وإذا سهَّل قَصَر، إذا عُرِف هذا ففي إعراب هذه الآيةِ أوجُهٌ :
أحدها : أنَّ " أنتم " مبتدأ، و " هَؤُلاَءِ " خبره، والجملة من قوله :﴿حَاجَجْتُمْ﴾ جملة مستأنفة، مبينة للجملة الأولَى، يعني أنتم هؤلاءِ الأشخاص الحَمْقَى، وبيان حماقتكم، وقلة عقولكم، أنكم جادلتم فيما لكم به عِلْم بما نطق به التوراةُ والإنجيل ﴿فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ ذكر ذلك الزمخشريُّ.
الثاني : أن يكون ﴿هأَنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ مبتدأ وخبراً، والجملة من ﴿حَاجَجْتُمْ﴾ في محل نصب على الحال يدل على ذلك تصريحُ العَرَب بإيقاع الحال موقعها - في قولهم : ها أنا ذا قائماً، ثم هذه الحال عندهم - من الأحوال اللازمة، التي لا يَسْتَغْنِي الكلامُ عَنْها.
الثالث : أن يكون ﴿هأَنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ على ما تقدم - أيضاً - ولكن هَؤلاءِ هنا موصول، لا يتم إلا بصلةٍ وعائدٍ، وهما الجملة من قوله :
﴿حَاجَجْتُمْ﴾، ذكره الزمخشريُّ.
وهذا إنما يتجه عند الكوفيين، تقديره : ها أنتم الذين حاججتم.
الرابع : أن يكون " أنْتُمْ " مبتدأ، و " حَاجَجْتُمْ " خبره، و " هؤلاء " منادًى، وهذا إنما يتَّجِه عند الكوفيين أيضاً ؛ لأن حرفَ النداء لا يُحْذَف من أسماء الإشارة، وأجازه الكوفيون وأنشدوا :[ البسيط ]
يريد يا هذا اعتصم، وقول الآخر :[ الخفيف ]
يريد : يا أولاء.
الخامس : أن يكون " هَؤلاءِ " منصوباً على الاختصاص بإضمار فعل. و " أنتُمْ " مبتدأ، و " حَاجَجْتُمْ " خبره، وجملة الاختصاص مُعْتَرِضَةٌ.
السادس : أن يكون على حذف مضافٍ، تقديره : ها أنتم مثل هؤلاء، وتكون الجملة بعدَها مُبَيِّنَةٌ لوجه الشبه، أو حالاً.
السابع : أن يكون " أنْتُمْ " خبراً مقدماً، و " هَؤلاءِ " مبتدأ مؤخراً.
وهذه الأوجهُ السبعةُ قد تقدم ذكرُها، وذكرُ من نسبت إليه والردُّ على بعض القائلين ببعضها، بما يغني عند إعادته في سورة البقرةِ عند قوله تعالى :﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥] فليلتفت إليه.
قوله :﴿فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ﴾ " ما " يجوز أن تكون معنى " الذي " وأن تكونَ نكرةً موصوفةً.
ولا يجوز أن تكون مصدرية ؛ لعود الضمير عليها، وهي حرف عند الجمهور، و " لَكُمْ " يجوز أن يكون خبراً مقدماً، و " عِلمٌ " مبتدأ مؤخراً، والجملة صلة لِ " ما " أو صفة، ويجوز أن يكون لكم وحده صلة، أو صفة، و " عِلْمٌ " فاعلٌ به ؛ لأنه قد اعتمد، و " بِهِ " متعلق بمحذوف ؛ لأنه حال من " عِلْمٌ " إذ لو تأخَّر عنه لصَحَّ جَعْلُه نعتاً له، ولا يجوز أن يتعلق ب " عِلمٌ " لأنه مصدر، والمصدر لا يتقدم معموله عليه، فإن جعلته متعلِّقاً بمحذوف يفسِّره المصدرُ جاز ذلك، وسُمي بياناً.
وأما المعنى فقال قتادةُ والسُّدِّيُّ والربيعُ وغيرُهم : إن الذي لهم به علم هو دينُهم وجدوه في كتبهم، وثبتَتْ صحتُه لديهم، والذي ليس لهم به علم هو شريعةُ إبراهيمَ، وما عليه مما ليس في كتبهم، ولا جاءت به إليهم رُسُلُهُمْ، ولا كانوا مُعَاصِرِيه، فيعلمون دينَه، فجدالهم فيه مجرَّد عِنَادٍ ومُكَابَرة.
قيل : الذي لهم به علم هو أمر نبيِّنا ﷺ لأنه موجود عندهم في كُتُبِهم بنعته، والذي ليس لهم به علمٌ هو أمر إبراهيم - عليه السلام-.
قال الزمخشريُّ
المرتبة الأولى للكوفيين وابن عامر والبَزِّي عن ابن كثير(١) : ها أنتم - بألف بعد الهاء، وهمزة مخففة بعدها.
المرتبة الثانية لأبي عمرو وقالون عن نافع : بألف بعد الهاء، وهمزة مسهَّلَة بين بين بعدها.
المرتبة الثالثة لورش، وله وجهانِ :
أحدهما : بهمزة مسهلة بين بين بعد الهاء دون ألف بينهما.
الثاني : بألفٍ صريحةٍ بعد الهاء بغير همزة بالكلية.
المرتبة الرابعة لقُنْبُل بهمزة مُخَفَّفَة بعد الهاء دون ألف.
فصل
اختلف الناسُ في هذه الهاء : فمنهم من قال : إنها " ها " التي للتنبيه الداخلة على أسماء الإشارة، وقد كثر الفصلُ بينها وبين أسماء الإشارةِ بالضمائر المرفوعة المنفصلة، نحو : ها أنت ذا قائماً، وها نحن، وها هم، وهؤلاء، وقد تُعادُ مع الإشارة بعد دخولها على الضمائرِ ؛ توكيداً، كهذه الآية، ويقل الفصل بغير ذلك كقوله :[ البسيط ]
| تَعَلَّمَنْ هَا - لَعَمْرُ اللهِ - ذَا قَسَماً | فَاقْدِرْ بِذَرْعِكَ وَانْظُرْ أيْنَ تَنْسَلِكُ(٢) |
| هَا - إنَّ - ذِي عِذْرَةٌ إنْ لا تَكُنْ قُبِلَتْ | فَإِنَّ صَاحِبَهَا قَدْ تَاهَ في الْبَلَدِ(٣) |
هذا معنى ما اعترض به أبو حيان على هؤلاء الأئمةِ، وإذا ثبت إبدال الهمزة هاءٌ هان الأمر، ولا نظر إلى كونها همزةَ استفهام، ولا غيرها، وهذا - أعني كونها همزة استفهام أبْدِلت هاءً - ظاهر قراءة قُنْبُلٍ، وورش ؛ لأنهما لا يُدْخِلان ألفاً بين الهاء وهمزة " أنتم " ؛ لأن إدخال الألف لما كان لاستثقال توالي همزتين، فلما أبدلت الهمزة هاء زال الثقل لفظاً ؛ فلم يُحتَج إلى فاصلةٍ، وقد جاء إبدال همزة الاستفهام ألفاً في قول الشاعر :
[ الكامل ]
| وَأتَتْ صَوَاحِبَهَا، وَقُلْنَ هَذَا الَّذِي | مَنَحَ الْمَوَدَّةَ غَيْرَنَا وَجَفَانَا(٤) |
ويضعف جعلها - على قراءتهما - " ها " التي للتنبيه ؛ لأنه لم يُحْفَظ حَذْفُ ألِفِها، لا يقال : هَذَا زيد - بحذف ألف " ها " - كذا قيل.
قال شهاب الدّينِ :" وقد حذفها ابنُ عامر في ثلاثة مواضع - إلا أنه ضم الهاء الباقية بعد حذف الألف - فقرأ - في الوصل- :﴿يَأَيُّهَا السَّاحِرُ﴾ [الزخرف: ٤٩] و ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١]، و ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلاَنِ﴾ [الرحمن: ٣١]، ولكن إنما فعل ذلك اتباعاً للرسم ؛ لأن الألفَ حُذِفَتْ في مرسوم مصحف الشام في هذه الثلاثة، وعلى الجملة فقد ثبت حذف ألف " ها " التي للتنبيه. وأمَّا من أثبت الألف بَيْن الهاء وبين همزة " أنتم " فالظاهر أنها للتنبيه، ويضعف أن تكون بدلاً من همزة الاستفهام ؛ لما تقدم من أن الألف إنما تدخل لأجل الثقل، والثقل قد زال بإبدال الهمزة هاء، وقال بعضهم : الذي يقتضيه النظر أن تكون " ها " - في قراءة الكوفيين والبَزِّيّ وابن ذكوان -، للتنبيه ؛ لأن الألف في قراءتهم ثابتة، وليس من مذهبهم أن يفصلوا بين الهمزتين بألف، وأن تكون في قراءة قُنْبُل وورش - مُبْدَلَة من همزة ؛ لأن قُنْبُلاً يقرأ بهمزة بعد الهاء، ولو كانت " ها " للتنبيه لأتى بألف بعد الهاء، وإنما لم يُسهِّل الهمزة - كما سَهَّلَها في ﴿ءَأَنذَرْتَهُمْ﴾ ونحوه لأن إبدال الأولى هاء أغناه عن ذلك، ولأن ورشاً فعل فيه ما فعل في :﴿ءَأَنذَرْتَهُمْ﴾ ونحوه من تسهيل الهمزة، وترك إدخال الألفِ، وكان الوجه في قراءته بالألف - أيضاً - الحمل على البدل كالوجه الثاني في ﴿ءَأَنذَرْتَهُمْ﴾ ونحوه.
وما عدا هؤلاء المذكورين - وهم أبو عمرو وهشام وقالون - يحتمل أن تكون " ها " للتنبيه، وأن تكون بدلاً من همزة الاستفهام.
أما الوجه الأول فلأن " ها " التنبيه دخلت على " أنتم " فحَقَّق هشام الهمزة كما حققها في " هؤلاء " ونحوها، وَخَفَّفَهَا قالون وأبو عمرو ؛ لتوسُّطِها بدخول حرف التنبيه عليها، وتخفيف الهمزة المتوسطة قَوِيٌّ.
الوجهُ الثاني : أن تكونَ الهاءُ بدلاً من همزة الاستفهام ؛ لأنهم يَفْصِلُون بين الهمزتين بألفٍ، فيكون أبو عمرو وقالون على أصلهما(٥) - في إدخال الألف والتسهيل - وهشام على أصله - في إدخال الألف والتحقيق - ولم يُقْرَأ بالوجه الثاني - وهو التسهيل - لأن إبدال الهمزة الأولى هاءً مُغْنٍ عن ذلك.
وقال آخرون : إنه يجوز أن تكون " ها " - في قراءة الجميع - مُبْدَلَةً من همزة، وأن تكون التي للتنبيه دخلت على " أنتم " ذكر ذلك أبو علي الفارسي والمَهْدَوِي ومَكِيّ في آخرين.
فأما احتمال هذين الوجهين - في قراءة أبي عمرو وقالون عن نافع، وهشام عن ابن عامر- فقد تقدم توجيهه، وأما احتمالهما في قراءة غيرهم، فأما الكوفيون والبَزِّيُّ وابنُ ذكوان فقد تقدم توجيه كون " ها " - عندهم - للتنبيه، وأما توجيه كونها بدلاً من الهمزة - عندهم - أن يكون الأصل أنه أأنتم، ففصلوا بالألف - على لغة مَنْ قال :[ الطويل ]
. . . *** آأَنتِ أمْ أمُّ سَالِمِ(٦)
ولم يعبئوا بإبدال الهمزة الأولى هاءً ؛ لكَوْن البدَلِ فيها عارضاً، وهؤلاء، وإن لم يكن من مذهبهم الفصل لكنهم جمعوا بين اللغتين.
وأما توجيه كونها بدلاً من الهمزة - في قراءة قُنْبُلٍ وورشٍ - فقد تقدم، وأما توجيه كونها للتنبيه في قراءتهما - وإن لم يكن فيها ألف - أن تكون الألف حُذِفَتْ لكثرة الاستعمال، وعلى قول مَنْ أبدل كورشٍ حذفت إحدى الألفين ؛ لالتقاء الساكنين.
قال أبو شَامَةَ : الأوْلَى في هذه الكلمة - على جميع القراءات فيها - أن تكون " ها " للتنبيه ؛ لأنا إن جعلناها بدلاً من همزةٍ كانت الهمزةُ همزةَ استفهامٍ، و ﴿هأَنْتُمْ﴾ أينما جاءت في القرآن إنما جاءت للخبر، لا للاستفهام، ولا مانع من ذلك إلا تسهيلُ مَنْ سَهَّل، وحَذْفُ مَنْ حذف، أما التسهيل فقد سبق تشبيهه بقوله :﴿لأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] وشبهه، وأما الحذف فنقول :" ها " مثل " أما " - كلاهما حرف تنبيه - وقد ثبت جواز حذف ألف " أما " فكذا حذف ألف " ها " وعلى ذلك قولهم : أمَ واللهِ لأفْعَلَنَّ.
وقد حمل البصريون قولهم :" هَلُمَّ " على أن الأصل " هَالُمَّ "، ثم حذف ألف " ها " فكذا ﴿هأَنْتُمْ﴾. وهو كلام حَسَنٌ، إلا أنَّ قوله : إن ﴿هأَنْتُمْ﴾ - حيث جاءت - كانت خبراً، لا استفهاماً ممنوع، بل يجوز ذلك، ويجوز الاستفهام، انتهى.
ذكر الفرّاءُ أيضاً - هنا - بحثاً بالنسبة إلى القصر والمد، فقال : من أثبت الألفَ في " ها "، واعتقدها للتنبيه، وكان مذهبُه أن يقصر في المنفصل، فقياسه هنا قَصْر الألف سواء حقَّق الهمزة، أو سهلها، وأمّا من جعلها للتنبيه، ومذهبه المد في المنفصل، أو جعل الهاء مبدلة من همزة استفهام - فقياسه أن يمد - سواء حقق الهمزة أو سهلها-.
وأما ورش فقد تقدم عنه وجهان : إبدال الهمزة - من " أنتم " - ألفاً، وتسهيلها بَيْن بَيْنَ، فإذا أبدل مَدَّ، وإذا سهَّل قَصَر، إذا عُرِف هذا ففي إعراب هذه الآيةِ أوجُهٌ :
أحدها : أنَّ " أنتم " مبتدأ، و " هَؤُلاَءِ " خبره، والجملة من قوله :﴿حَاجَجْتُمْ﴾ جملة مستأنفة، مبينة للجملة الأولَى، يعني أنتم هؤلاءِ الأشخاص الحَمْقَى، وبيان حماقتكم، وقلة عقولكم، أنكم جادلتم فيما لكم به عِلْم بما نطق به التوراةُ والإنجيل ﴿فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ ذكر ذلك الزمخشريُّ.
الثاني : أن يكون ﴿هأَنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ مبتدأ وخبراً، والجملة من ﴿حَاجَجْتُمْ﴾ في محل نصب على الحال يدل على ذلك تصريحُ العَرَب بإيقاع الحال موقعها - في قولهم : ها أنا ذا قائماً، ثم هذه الحال عندهم - من الأحوال اللازمة، التي لا يَسْتَغْنِي الكلامُ عَنْها.
الثالث : أن يكون ﴿هأَنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ على ما تقدم - أيضاً - ولكن هَؤلاءِ هنا موصول، لا يتم إلا بصلةٍ وعائدٍ، وهما الجملة من قوله :
﴿حَاجَجْتُمْ﴾، ذكره الزمخشريُّ.
وهذا إنما يتجه عند الكوفيين، تقديره : ها أنتم الذين حاججتم.
الرابع : أن يكون " أنْتُمْ " مبتدأ، و " حَاجَجْتُمْ " خبره، و " هؤلاء " منادًى، وهذا إنما يتَّجِه عند الكوفيين أيضاً ؛ لأن حرفَ النداء لا يُحْذَف من أسماء الإشارة، وأجازه الكوفيون وأنشدوا :[ البسيط ]
| إنَّ الأُلَى وَصَفُوا قَوْمِي لَهُمْ فَبِهِمْ | هَذَا اعْتَصِمْ تَلْقَ مَنْ عَادَاكَ مَخْذُولا(٧) |
| لا يَغُرًَّنَّكُمْ أولاَءِ مِنَ الْقَوْ | مِ جُنُوحٌ لِلسِّلْمِ فَهْوَ خِدَاعُ(٨) |
الخامس : أن يكون " هَؤلاءِ " منصوباً على الاختصاص بإضمار فعل. و " أنتُمْ " مبتدأ، و " حَاجَجْتُمْ " خبره، وجملة الاختصاص مُعْتَرِضَةٌ.
السادس : أن يكون على حذف مضافٍ، تقديره : ها أنتم مثل هؤلاء، وتكون الجملة بعدَها مُبَيِّنَةٌ لوجه الشبه، أو حالاً.
السابع : أن يكون " أنْتُمْ " خبراً مقدماً، و " هَؤلاءِ " مبتدأ مؤخراً.
وهذه الأوجهُ السبعةُ قد تقدم ذكرُها، وذكرُ من نسبت إليه والردُّ على بعض القائلين ببعضها، بما يغني عند إعادته في سورة البقرةِ عند قوله تعالى :﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥] فليلتفت إليه.
قوله :﴿فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ﴾ " ما " يجوز أن تكون معنى " الذي " وأن تكونَ نكرةً موصوفةً.
ولا يجوز أن تكون مصدرية ؛ لعود الضمير عليها، وهي حرف عند الجمهور، و " لَكُمْ " يجوز أن يكون خبراً مقدماً، و " عِلمٌ " مبتدأ مؤخراً، والجملة صلة لِ " ما " أو صفة، ويجوز أن يكون لكم وحده صلة، أو صفة، و " عِلْمٌ " فاعلٌ به ؛ لأنه قد اعتمد، و " بِهِ " متعلق بمحذوف ؛ لأنه حال من " عِلْمٌ " إذ لو تأخَّر عنه لصَحَّ جَعْلُه نعتاً له، ولا يجوز أن يتعلق ب " عِلمٌ " لأنه مصدر، والمصدر لا يتقدم معموله عليه، فإن جعلته متعلِّقاً بمحذوف يفسِّره المصدرُ جاز ذلك، وسُمي بياناً.
فصل
وأما المعنى فقال قتادةُ والسُّدِّيُّ والربيعُ وغيرُهم : إن الذي لهم به علم هو دينُهم وجدوه في كتبهم، وثبتَتْ صحتُه لديهم، والذي ليس لهم به علم هو شريعةُ إبراهيمَ، وما عليه مما ليس في كتبهم، ولا جاءت به إليهم رُسُلُهُمْ، ولا كانوا مُعَاصِرِيه، فيعلمون دينَه، فجدالهم فيه مجرَّد عِنَادٍ ومُكَابَرة.
قيل : الذي لهم به علم هو أمر نبيِّنا ﷺ لأنه موجود عندهم في كُتُبِهم بنعته، والذي ليس لهم به علمٌ هو أمر إبراهيم - عليه السلام-.
قال الزمخشريُّ
١ انظر في هذه القراءات: السبعة ٢٠٧، والكشف ١/٣٦٤، والحجة ٣/٤٦، وإعراب القراءات ١/١١٤، وحجة القراءات ١٦٥، والعنوان ٦٧٩، وشرح شعلة ٣١٥، ٣١٨، وإتحاف ١/٤٨٠، ٤٨١..
٢ تقدم..
٣ ينظر: ديوانه (٢٨)، وخزانة الأدب ٥/٤٥٩، وشرح المفصل ٨/١١٣، والجني الداني ص ٣٤٩، والدرر ٥/١١٩، ولسان العرب (عذر)، (تا)، (ها)، وشرح الأشموني ١/٦٦، وشرح شافية ابن الحاجب ١/١٨٠، وهمع الهوامع ٢/٧٠، والدر المصون ٢/١٢٧..
٤ البيت لجميل بثينة ينظر ديوانه ص ١٩٦، ولسان العرب (ذا)، (ها)، والمقرب ٢/١٧٩، وشرح المفصل ١٠/٤٢، ٤٣، وشرح شافية ابن الحاجب ٣/٢٢٤، وشرح شواهد الشافية ص ٤٧٧، وسر صناعة الإعراب ٢/٥٥٤، وجواهر الأدب ص ٣٣٤، ورصف المباني ص ٤٠٣، والجني الداني ص ١٥٣، والمحتسب ١/١٨١، ومغني اللبيب ١/٣٤٨، والممتع في التصريف ١/٤٠٠..
٥ في أ: أحدهما..
٦ تقدم برقم ١٥٥..
٧ تقدم برقم ٢٦٩..
٨ ينظر: شواهد التوضيح والتصحيح ص ٢١١، الأشموني ٣/١٣٦، شرح الكافية الشافية ٣/١٢٩٢، البحر ٢/٥١١، الدر المصون ٢/١٣٠..
٢ تقدم..
٣ ينظر: ديوانه (٢٨)، وخزانة الأدب ٥/٤٥٩، وشرح المفصل ٨/١١٣، والجني الداني ص ٣٤٩، والدرر ٥/١١٩، ولسان العرب (عذر)، (تا)، (ها)، وشرح الأشموني ١/٦٦، وشرح شافية ابن الحاجب ١/١٨٠، وهمع الهوامع ٢/٧٠، والدر المصون ٢/١٢٧..
٤ البيت لجميل بثينة ينظر ديوانه ص ١٩٦، ولسان العرب (ذا)، (ها)، والمقرب ٢/١٧٩، وشرح المفصل ١٠/٤٢، ٤٣، وشرح شافية ابن الحاجب ٣/٢٢٤، وشرح شواهد الشافية ص ٤٧٧، وسر صناعة الإعراب ٢/٥٥٤، وجواهر الأدب ص ٣٣٤، ورصف المباني ص ٤٠٣، والجني الداني ص ١٥٣، والمحتسب ١/١٨١، ومغني اللبيب ١/٣٤٨، والممتع في التصريف ١/٤٠٠..
٥ في أ: أحدهما..
٦ تقدم برقم ١٥٥..
٧ تقدم برقم ٢٦٩..
٨ ينظر: شواهد التوضيح والتصحيح ص ٢١١، الأشموني ٣/١٣٦، شرح الكافية الشافية ٣/١٢٩٢، البحر ٢/٥١١، الدر المصون ٢/١٣٠..