المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
واختلف القراء في قوله ﴿ها أنتم﴾ في المد والهمز وتركه، فقرأ ابن كثير، «هأنتم »، في وزن هعنتم(١)، وقرأ نافع وأبو عمرو «هانتم » استفهاماً بلا همز، وقرأ الباقون، «ها أنتم » ممدودا مهموزاً، ولم يختلفوا في مد ﴿هؤلاء﴾ وأولاء، فوجه قراءة ابن كثير، أنه أبدل من همزة الاستفهام الهاء، أراد «أأنتم »، ووجه قراءة نافع وأبي عمرو أحد أمرين، يجوز أن تكون «ها » التي للتنبيه دخلت على «أنتم »، ويكون التنبيه داخلاً على الجملة، كما دخل على قولهم هلم وكما دخلت - يا - التي للتنبيه في قوله } ألا يا اسجدوا{ (٢)، وفي قول الشاعر :
وقول الآخر :[ البسيط ]
يَا لَعْنَةَ اللَّهِ وَالأَقْوَامِ كُلِّهِم. . . والصَّالِحِينَ عَلَى سِمْعَانَ مِنْ جَارِ(٤)
وخففت الهمزة من «أنتم » ولم تحقق بعد الألف، كما قالوا في هباءة هباة، ويجوز أن تكون الهاء في ﴿هأنتم﴾ بدلاً من همزة الاستفهام، كوجه قراءة ابن كثير، وتكون الألف هي التي تدخل بين الهمزتين، لتفصل بينهما، ووجه قراءة الباقين «ها أنتم » مهموز ممدود يحتمل الوجهين اللذين في قراءة نافع وأبي عمرو، وحققوا الهمزة التي بعد الألف، ولم يخففوها كما خففها أبو عمرو ونافع، ومن لم ير إلحاق الألف للفصل بين الهمزتين كما يراه أبو عمرو، فينبغي أن تكون «ها » في قوله للتنبيه ولا تكون بدلاً من همزة الاستفهام، وأما ﴿هؤلاء﴾ ففيه لغتان، المد والقصر، وقد جمعهما بيت الأعشى في بعض الروايات(٥) :[ الخفيف ]
هؤلا ثُمَّ هؤلاءِ قَدِ اعْطيتَ. . . نِعالاً مَحْذُوَّةً بِنِعَالِ
وأما إعراب ﴿ها أنتم هؤلاء﴾ فابتداء وخبر، و ﴿حاججتم﴾ في موضع الحال لا يستغنى عنها، وهي بمنزلة قوله تعالى :
﴿ثم أنتم هؤلاء تقتلون﴾(٦) ويحتمل أن يكون ﴿هؤلاء﴾ بدلاً أو صفة ويكون الخبر ﴿حاججتم﴾ وعلى مذهب الكوفيين
﴿حاججتم﴾، صلة لأولاء والخبر في قوله :﴿فلم تحاجون﴾ ومعنى قوله تعالى :﴿فيما لكم به علم﴾ أي على زعمكم، وإنما المعنى فيما تشبه فيه دعواكم، ويكون الدليل العقلي لا يرد عليكم وفسر الطبري هذا الموضع بأنه فيما لهم به علم من جهة كتبهم وأنبائهم مما أيقنوه وثبت عندهم صحته.
قال الفقيه الإمام : وذهب عنه رحمه الله أن ما كان هكذا فلا يحتاج معهم فيه إلى محاجة، لأنهم يجدونه عند محمد ﷺ، كما كان هنالك على حقيقته، وباقي الآية بين.
[ البسيط ]
يَا قَاتَل َالله صِبياناً تجيءُ بِهِمْ. . . أمُّ الهُنَيِّدِ مِنْ زَنْدٍ لها وَاري(٣)وقول الآخر :[ البسيط ]
يَا لَعْنَةَ اللَّهِ وَالأَقْوَامِ كُلِّهِم. . . والصَّالِحِينَ عَلَى سِمْعَانَ مِنْ جَارِ(٤)
وخففت الهمزة من «أنتم » ولم تحقق بعد الألف، كما قالوا في هباءة هباة، ويجوز أن تكون الهاء في ﴿هأنتم﴾ بدلاً من همزة الاستفهام، كوجه قراءة ابن كثير، وتكون الألف هي التي تدخل بين الهمزتين، لتفصل بينهما، ووجه قراءة الباقين «ها أنتم » مهموز ممدود يحتمل الوجهين اللذين في قراءة نافع وأبي عمرو، وحققوا الهمزة التي بعد الألف، ولم يخففوها كما خففها أبو عمرو ونافع، ومن لم ير إلحاق الألف للفصل بين الهمزتين كما يراه أبو عمرو، فينبغي أن تكون «ها » في قوله للتنبيه ولا تكون بدلاً من همزة الاستفهام، وأما ﴿هؤلاء﴾ ففيه لغتان، المد والقصر، وقد جمعهما بيت الأعشى في بعض الروايات(٥) :[ الخفيف ]
هؤلا ثُمَّ هؤلاءِ قَدِ اعْطيتَ. . . نِعالاً مَحْذُوَّةً بِنِعَالِ
وأما إعراب ﴿ها أنتم هؤلاء﴾ فابتداء وخبر، و ﴿حاججتم﴾ في موضع الحال لا يستغنى عنها، وهي بمنزلة قوله تعالى :
﴿ثم أنتم هؤلاء تقتلون﴾(٦) ويحتمل أن يكون ﴿هؤلاء﴾ بدلاً أو صفة ويكون الخبر ﴿حاججتم﴾ وعلى مذهب الكوفيين
﴿حاججتم﴾، صلة لأولاء والخبر في قوله :﴿فلم تحاجون﴾ ومعنى قوله تعالى :﴿فيما لكم به علم﴾ أي على زعمكم، وإنما المعنى فيما تشبه فيه دعواكم، ويكون الدليل العقلي لا يرد عليكم وفسر الطبري هذا الموضع بأنه فيما لهم به علم من جهة كتبهم وأنبائهم مما أيقنوه وثبت عندهم صحته.
قال الفقيه الإمام : وذهب عنه رحمه الله أن ما كان هكذا فلا يحتاج معهم فيه إلى محاجة، لأنهم يجدونه عند محمد ﷺ، كما كان هنالك على حقيقته، وباقي الآية بين.
١ - في بعض النسخ: وزن فعلتم..
٢ - من الآية: (٢٥) من سورة النمل..
٣ - البيت للقتال الكلابي، عبد الله بن المضرحي أحد شعراء القتال في العصر الأموي، (الشعر والشعراء: ٥٩١ والأغاني ٢٠/١٨٥ والخزانة ٣/ ٦٦٧؛ وانظر ديوانه (بيروت ١٩٦١) ص: ٥٧ وروايته: أم الهنيبر (واللسان والتاج: هنبر، زند) والزند: كنى به هنا عن الرحم..
٤ -ورد في الخزانة ٤/ ٤٧٩ (دون نسبة)..
٥ - انظر ديوان الأعشى: ١١.
٦ - من الآية (٨٥) من سورة البقرة..
٢ - من الآية: (٢٥) من سورة النمل..
٣ - البيت للقتال الكلابي، عبد الله بن المضرحي أحد شعراء القتال في العصر الأموي، (الشعر والشعراء: ٥٩١ والأغاني ٢٠/١٨٥ والخزانة ٣/ ٦٦٧؛ وانظر ديوانه (بيروت ١٩٦١) ص: ٥٧ وروايته: أم الهنيبر (واللسان والتاج: هنبر، زند) والزند: كنى به هنا عن الرحم..
٤ -ورد في الخزانة ٤/ ٤٧٩ (دون نسبة)..
٥ - انظر ديوان الأعشى: ١١.
٦ - من الآية (٨٥) من سورة البقرة..