جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَدّت طّآئِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلّونَكُمْ وَمَا يُضِلّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾
يعني بقوله جلّ ثناؤه :﴿وَدّتْ﴾ : تمنت ﴿طائِفَةٌ﴾ يعني جماعة ﴿مِنْ أهْلِ الكِتابِ﴾ وهم أهل التوراة من اليهود، وأهل الإنجيل من النصارى ﴿لَوْ يُضِلّونَكُمْ﴾ يقول : لو يصدّونكم أيها المؤمنون عن الإسلام، ويردّونكم عنه إلى ما هم عليه من الكفر، فيهلكونكم بذلك. والإضلال في هذا الموضع : الإهلاك من قول الله عزّ وجلّ :﴿وَقَالُوا أئِذَا ضَلَلْنا فِي الأرْضِ أئِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يعني : إذا هلكنا. ومنه قول الأخطل في هجاء جرير :
كُنْتَ القَذَى فِي مَوْجٍ أكْدَرَ مُزْبِدٍ قَذَفَ الأتِيّ بِهِ فَضَلّ ضَلالا
يعني : هلك هلاكا، وقول نابغة بني ذبيان :
| فآبَ مُضِلّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيّةٍ | وغُودِرَ بالجَوْلانِ حَزْمٌ وَنائِلُ |
﴿وَما يُضِلّونَ إلاّ أنْفُسَهُمْ﴾ : وما يهلكون بما يفعلونه من محاولتهم صدّكم عن دينكم أحدا غير أنفسهم، يعني بأنفسهم : أتباعهم وأشياعهم على ملتهم وأديانهم، وإنما أهلكوا أنفسهم وأتباعهم بما حاولوا من ذلك لاستيجابهم من الله بفعلهم ذلك سخطه، واستحقاقهم به غضبه ولعنته، لكفرهم بالله، ونقضهم الميثاق الذي أخذ الله عليهم في كتابهم في اتباع محمد ﷺ وتصديقه، والإقرار بنبوّته. ثم أخبر جلّ ثناءه عنهم أنهم يفعلون ما يفعلون، من محاولة صدّ المؤمنين عن الهدى إلى الضلالة، والردى على جهل منهم، بما الله بهم محلّ من عقوبته، ومدّخر لهم من أليم عذابه، فقال تعالى ذكره :﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أنهم لا يضلون إلا أنفسهم بمحاولتهم إضلالكم أيها المؤمنون¹ ومعنى قوله :﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ : وما يدرون ولا يعلمون، وقد بينا تأويل ذلك بشواهده في غير هذا الموضع فأغنى ذلك عن إعادته.