اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
في " مِن " وجهان :
أظهرهما : أنها تبعيضيَّة.
والثاني : أنها لبيان الجنس.
قال ابن عطيَّة : ويعني أن المراد ب " طائفة " جميع أهل الكتاب، قال أبو حيّان : وهذا بعيد من دلالة اللفظ، وهذا الجار - على القول بأنها تبعيضية - في محلّ رفع، صفة لِ " طَائِفَةٌ "، وعلى القول بأنها بيانية تعلق بمحذوف.
وقوله : تقدم أنه يجوز أن تكون مصدرية، وأن تكون على بابها - من كونها حرفاً لما كان سيقع لوقوع غيره.
قال أبو مُسْلِم الأصبهاني :" وَدَّ " بمعنى تَمَنَّى، فيستعمل معها " لو " و " أن " وربما جُمِع بينهما، فَيُقَالُ : وددت أن لو فعلت، ومصدره الودادة، والاسم منه وُدّ وبمعنى " أحَبَّ " فيتعدَّى " أحَب " والمصدر المودة، والاسم منه ود وقد يتداخلانِ في المصدر والاسم.
وقال الراغب :" إذا كان بمعنى " أحب " لا يجوز إدخال " لو " فيه أبداً ".
وقال الرمانيُّ :" إذا كان " وَدَّ " بمعنى تمنَّى صلُح للحال والاستقبال [ والماضي، وإذا كان بمعنى الهمة والإرادة لم يصلح للماضي ؛ لأن الإرادة لاستدعاء الفعل، وإذا كان للحال والمستقبل جاز وتجوز " لَوْ "، وإذا كان للماضي لم يجز " أنْ " لأن " أن " للمستقبل ](١).
وفيه نظرٌ، لأن " أن " تُوصَل بالماضي.

فصل


لما بَيَّن - تعالى - أن من طريقة أهل الكتاب العدولَ عن الحق، والإعراضَ عن قبول الحجة بيَّن - هنا - أنهم لا يقتصرون على هذا القدر، بل يجتهدون في إضلال المؤمنين بإلقاء الشبهات، كقولهم : إن محمداً ﷺ مُقرٌّ بموسَى وعيسَى، وكقولهم : إن النسخ يُفْضِي إلى البداء والغرض منه : تنبيه المؤمنين على ألاَّ يَغْتَرُّوا بكلام اليهودِ، ونظيرُه قولُه تعالى في سورة البقرة :﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقوله :﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً﴾ [النساء: ٨٩].

فصل


قيل : نزلت هذه الآية في معاذ بن جبلٍ وعمارِ بن ياسرٍ وحُذَيفَةَ حين دعاهم اليهود إلى دينهم، فنزلت (٢).
" ودت " تمنَّت طَائِفَةٌ جماعة ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني اليهود ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾، ولم يَقُلْ : أن يضلوكم ؛ لأن " لو " أوفق للتمني ؛ فإن قولك : لو كان كذا، يفيد التمني، ونظيره قوله :﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾
[البقرة: ٩٦]، ثم قال تعالى :﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ﴾ وهو يحتمل وجوهاً منها :
إهلاكهم أنفسهم باستحقاق العقاب على قَصْدِهم إضلال الغير، كقوله :﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧]، وقوله :﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، وقوله : و ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥].
ومنها : إخراجهم أنفسهم عن معرفة الهدى والحق ؛ لأن الذاهب عن الاهتداء ضالّ. [ ومنها : أنهم اجتهدوا في إضلال المؤمنين، ثم إن المؤمنين لم يلتفتوا إليهم، فهم قد صاروا خائبين خاسرين ؛ حيث اعتقدوا شيئاً، ولاح لهم أن الأمر بخلاف ما تصوَّروه ] (٣).
ثم قال تعالى :﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾، أي : وما يعلمون أن هذا يَضُرُّهم، ولا يضر المؤمنين.
١ سقط في أ..
٢ ذكره أبو حيان في "البحر المحيط" (٢/٥١٣) وانظر تفسير البغوي (١/٣١٥) وزاد المسير (١/٤٠٤) لابن الجوزي..
٣ سقط في أ..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى