اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
لما حكى خيانَتَهم في باب الدِّين ذكرها - أيضاً - في الأموال.
قوله :" مَنْ " مبتدأ، و ﴿وَمِّنْ أَهْلِ﴾ خَبَرُه، قُدِّمَ عليه، و " مَنْ " إما موصولة، وإما نكرة. و " إن تأمنه بقنطار يؤده " هذه الجملة الشرطية، إما صلة، فلا محل لها، وإما صفة فمحلّها الرفع.
وقرأ بعضهم :﴿تِئْمنه﴾، و ﴿مَا لَكَ لاَ تِئْمَنَّا﴾ [يوسف: ١١]. بكسر حرف المضارعة، وكذلك ابن مسعود والأشهب والعقيلي، إلا أنهما أبْدَلاَ الهمزة ياءً.
وجعل ابن عطية ذلك لغة قُرَيْشٍ، وغلَّطه أبو حيّان وقد تقدّمَ الْكَلاَمُ في كسر حرف المضارعةِ، وشرطه في الفاتحة(١) يقال : أمنته بكذا، وعلى كذا، فالباءُ للإلصاق بالأمانة، و " على " بمعنى استيلاء المودع على الأمانة.
وقيل : معنى : أمنته بكذا، وثقت به فيه، وأمنته عليه : جعلته أميناً عليه.
والقنطارُ والدينار : المراد بهما العددُ الكثيرُ، والعدد القليل، يعني : أن فيهم مَنْ هو في غاية الأمانة، حتى أنه لو ائتمِن على الأموال الكثيرة أدَّى الأمانة فيها، ومنهم من هو في غاية الخيانة، حتى لو ائتُمِن على الشيء القليل فإنه يخون فيه.
واختلف في القنطار، فقيل : ألف ومائتان أوقية ؛ لأن الآية نزلت في عبد الله بن سلام، حين استودعه رجل من قريش ألفاً ومائتي أوقية من الذهب، فردَّه، ولم يَخُنْ فيه (٢).
ورُوِي عن ابن عباس أنه مِلْءُ جلد ثور من المال.
وقيل : ألف ألف دينار، أو ألف ألف درهم - وقد تقدم-.
والدينار : أصله : دِنَّار - بنونين - فاستثقل توالي مثلَيْن، فأبدلوا أولهما حرفَ علة، تخفيفاً ؛ لكثرة دوره في لسانهم، ويدل على ذلك رَدُّه إلى النونين - تكسيراً وتصغيراً - في قولهم : دَنَانير ودُنَيْنِير.
ومثله قيراط، أصله : قِرَّاط، بدليل قراريط وقُرَيْرِيط، كما قالوا : تَظَنَّيْتُ، وقصَّصْتُ أظفاري، يريدون : تظنّنت وقصّصت - بثلاث نونات وثلاث صاداتٍ - والدِّينار مُعرَّب، قالوا : ولم يختلف وزنه أصْلاً وهو أربعة وعشرون قيراطاً، كل قِيراطٍ ثلاث شعيرات معتدلاتٍ، فالمجموع اثنان وسبعون شعيرةً.
وقرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم " يُؤَدِّهْ " بسكون الهاء في الحرفين.
وقرأ قالون " يُؤَدِّهِ " بكسر الهاء من دون صلة، والباقون بكسرها موصولة بياء(٣)، وعن هشام وجهان :
أحدهما : كقالون، والآخر كالجماعة.
أما قراءة أبي عمرو ومن معه فقد خرَّجوها على أوجه، أحسنها أنه سكنت هاء الضمير، إجراءً للوصْل مجرى الوقف وهو باب واسع مضى منه شيء - نحو :﴿يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩] و﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وسيأتي منه أشياء إن شاء الله تعالى.
وأنشد ابنُ مجاهد على ذلك :[ البسيط ]
وأنشد الأخفش :[ الطويل ]
إلا أن هذا يخصُّه بعضهم بضرورة الشعر، وليس كما قال، لما سيأتي.
وقد طعن بعضهم على هذه القراءةِ، فقال الزَّجَّاجُ : هذا الإسكان الذي رُوِيَ عن هؤلاء غلط بَيِّنٌ ؛ وأن الفاء لا ينبغي أن تُجْزَم، وإذا لم تُجْزَم فلا تسكن في الوصل، وأما أبو عمرو فأُراه كان يختلس الكسرة، فغلط عليه كما غلط عليه في " باريكم ". وقد حكى عنه سيبويه - وهو ضابط لمثل هذا - أنه كان يكسر كسراً خفياً، يعني يكسر في ﴿بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] كسراً خفيًّا، فظنه الراوي سكوناً.
قال شهابُ الدينِ : وهذا الرد من الزجَّاج ليس بشيءٍ لوجوه :
منها : أنه فَرَّ من السكون إلى الاختلاس، والذي نصَّ على أن السكون لا يجوز نص على أنَّ الاختلاس - أيضاً - لا يجوز إلا في ضرورة، بل جعل الإسكان في الضرورة أحسن منه في الاختلاس، قال : ليُجْرَى الوصلُ مجرى الوقف إجراء كاملاً، وجعل قوله :[ البسيط ]
. . . *** إلاَّ لأن عُيُونَهْ سَيْلُ وَادِيهَا(٦)
أحسن من قوله :[ البسيط ]
. . . *** مَا حَجَّ رَبَّهُ في الدُّنْيَا ولا اعْتَمَرَا(٧)
حيث سكن الأول، واختلس الثاني.
ومنها أن هذه لغة ثابتة عن العرب حفظها الأئمة الأعلام كالكسائي والفراء - حكى الكسائيُّ عن بني عقيل وبني كلابٍ ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُود﴾ [العاديات: ٦] - بسكون الهاء وكسرها من غير إشباع-.
ويقولون : لَهُ مال، ولَهْ مالٌ - بالإسكان والاختلاس.
قال الفراء : من العرب مَنْ يجزم الهاء - إذا تحرَّك ما قبلَها - نحو ضَرَبْتُهْ ضرباً شديداً، فيسكنون الهاء كما يسكنون ميم " أنتم " و " قمتم " وأصلها الرفع.
وأنشد :[ الرجز ]
قال شهاب الدينِ : وهذا عجيب من الفرَّاء ؛ كيف يُنْشِد هذا البيت في هذا المَعْرِض ؛ لأن هذه الفاء مبدلة من تاء التأنيث التي كانت ثابتةً في الوصل، فقلبها هاءً ساكنة في الوصل ؛ إجراءً له مُجْرَى الوقف وكلامنا إنما هو في هاء الضمير لا في هاء التأنيثِ ؛ لأن هاء التانيثِ لا حَظَّ لها في الحركة ألبتة، ولذلك امتنع رومها وإشمامُها في الوقف، نَصُّوا على ذلك، وكان الزجاج يُضَعَّف في اللغة، ولذلك رد على ثعلب - في فصيحه - أشياء أنكرها عن العرب، فردَّ الناسُ عليه رَدَّه، وقالوا : قالتها العربُ، فحفظها ثعلب ولم يحفظْها الزجَّاج. فليكن هذا منها.
وزعم بعضهم أن الفعلَ لما كان مجزوماً، وحلت الهاءُ محلّ لامِهِ جرى عليها ما يَجْرِي على لام الفعل - من السكون للجزم - وهو غير سديدٍ.
وأما قراءة قالون فأنشدوا عليها قول الشاعر :[ الوافر ]
وقول الآخر :[ الطويل ]
وقول الآخر :[ البسيط ]
وقد تقدم أنها لغة عقيل، وكلاب أيضاً، وأما قراءة الباقين فواضحة وقرأ الزهريُّ " يُؤَدِّهو " بضم الهاء بعدها واو، وهذا هو الأصل في هاء الكتابة، وقرأ سَلاَّم(١٢) كذلك إلا أنه ترك الواوَ فاختلس، وهما نظيرتا قراءتي " يؤدهي " و ﴿يُؤَدِّهِ﴾ - بالإشباع والاختلاس مع الكسرِ واعلم أن هذه الهاء متى جاءت بعد فعل مجزوم، أو أمر معتلِّ الآخر، جَرَى فيها هذه الأوجُه الثلاثة أعني السكون والإشباع والاختلاس - كقوله :﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٤٥] وقوله :﴿يَرْضَهُ لَكُم﴾ [الزمر: ٧] وقوله :﴿مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّم﴾ [النساء: ١١٥]، وقوله :﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِم﴾ [النمل: ٢٨] وقد جاء ذلك في قراءة السبعة - أعني : الأوجه الثلاثة - في بعض هذه الكلمات وبعضها لم يأت فيه إلا وجه - وسيأتي مفصَّلاً في مواضعه إنْ شاء الله. وليس فيه أن الهاء التي للكناية متى سبقها متحرَّك فالفصيح فيها الإشباع، نحو " إنَّهُ، لَهُ، بِهِ "، وإن سبقها ساكن، فالأشهر الاختلاس - سواء كان ذلك الساكن صحيحاً أو معتلاً - نحو فيه، منه وبعضهم يفرق بين المعتلْ والصحيح وقد تقدم ذلك أول الكتاب.
إذا علم ذلك فنقول : هذه الكلمات - المشار إليها - إن نظرنا إلى اللفظ فقد وقعت بعد متحرِّك، فحقها أن تشبع حركتها موصولةً بالياء، أو الواو، وإن سكنت فلما تقدم من إجراء الوصل مُجرى الوقف. وإن نظرنا إلى الأصل فقد سبقها ساكن - وهو حَرْفُ العلة المحذوف للجزم - فلذلك جاز الاختلاسُ، وهذا أصل نافع مطرد في جميع هذه الكلمات.
قوله ﴿بِدِينَارٍ﴾ في هذه الباء ثلاثة أوجهٍ :
أحدها : أنها للإلصاق، وفيه قَلَقٌ.
الثاني : أنها بمعنى " في " ولا بد من حذف مضاف، أي : في حفظ قنطار، وفي حفظ دينار.
الثالث : أنها بمعنى " على " وقد عُدِّيَ بها كثيراً، كقوله :﴿مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١] وقوله :﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٦٤] وكذلك هي في ﴿بِقِنطَارٍ﴾.
قوله :﴿إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً﴾ استثناء مفرَّغ من الظرف العام ؛ إذ التقدير : لا يؤده إليك في جميع المُددِ والأزمنة إلا في مدة دوامك قائماً عليه، متوكِّلاً به و " دُمْتَ " هذه هي الناقصةُ، ترفع وتنصب، وشرط إعمالها أن يتقدمها ما الظرفية كهذه الآية إذ التقدير إلا مدة دوامك [ ولا ينصرف، فأما قولهم :" يدوم " فمضارع " دام " التامة بمعنى بقي، ولكونها صلة ل " ما " الظرفية ] لزم أن يكون بحاجة إلى كلام آخر، ليعمل في الظرف نحو أصحبك ما دمت باكياً ولو قلت ما دام زيد قائماً من غير شيء لم يكن كلاماً.
وجوز أبو البقاء في " ما " هذه أن تكون مصدرية فقط، وذلك المصدر - المنسبك منها ومن دام - في محل نصب على الحال، وهو استثناءٌ مفرَّغ - أيضاً - من الأحوال المقدَّرة العامة، والتقدير : إلا في حال ملازمتك له، وعلى هذا، فيكون " دَامَ " هنا تامة ؛ لما تقدم من أن تقدُّم الظرفية شرط في إعمالها، فإذا كانت تامة انتصب " قَائماً " على الحال، يقال : دام يدُوم - كقام يقوم - و " دُمت قائماً " بضم الفاء وهذه لغة الحجاز، وتميم يقولون : دِمْت - بكسرها - وبها قرأ أبو عبد الرحمن وابن وثّابٍ والأعمشُ وطلحة والفياضُ بن غزوان(١٣) وهذه لغة تميم، ويجتمعون في المضارع، فيقولون : يدوم يعني : أن الحجازيين والتميميين اتفقوا على أن المضارع مضمومُ الْعَيْنِ، وكان قياسُ تميم أن تقول يُدام كخاف يخاف - فيكون وزنها عند الحجازيين فعَل - بفتح العين - وعند التميمين فِعل بكسرها هذا نقل الفراء.
وأما غيره فنقل عن تميم أنهم يقولون : دِمْتُ أدام - كخِفت أخاف - نقل ذلك أبو إسحاق وغيره كالراغب الأصبهاني والزمخشري.
وأصل هذه المادة : الدلالة على الثبوت والسكون، يقل : دام الماء، أي سكن. وفي الحديث :" لا يبولن أحدكم في الماء الدائم " وفي بعضه بزيادة : الذي لا يجري، وهو تفسير له، وأدَمْت القِدْرَ، ودومتها سكنت غليانها بالماء، ومنه : دامَ الشيء، إذا امتدَّ عليه الزمان، ودوَّمت الشمس : إذا وقعت في كبد السماء.
قال ذو الرمة :[ البسيط ]
. . . *** وَالشَّمْسُ حيْرَى لَهَا في الْجَوِّ تَدْوِيمُ(١٤)
هكذا أنشد الراغبُ هذا الشطر على هذا المعنى، وغيره ينشده على معنى أن الدوام يُعَبَّر به عن الاستدارة حول الشيء، ومنه الدوام، وهو الدُّوَار الذي يأخذ الإنسان في دماغه، فيرَى الأشياء دائرة. وأنشد معه - أيضاً - قول علقمة به عَبدَة :[ البسيط ]
ومنها : دوَّم الطائر، إذا حَلَّق ودار.
قوله :" عَلَيْهِ " متعلق ب " قائِماً " وفي المراد بالقيام - هنا - وجهان :
الأول : الحقيقة، وهو أن يقوم على رأس غريمه، ويلازمه بالمطالبة، وإن أخَّره أنكر.
قال القرطبيُّ : استدل أبو حنيفةَ على مذهبه ف
قوله :" مَنْ " مبتدأ، و ﴿وَمِّنْ أَهْلِ﴾ خَبَرُه، قُدِّمَ عليه، و " مَنْ " إما موصولة، وإما نكرة. و " إن تأمنه بقنطار يؤده " هذه الجملة الشرطية، إما صلة، فلا محل لها، وإما صفة فمحلّها الرفع.
وقرأ بعضهم :﴿تِئْمنه﴾، و ﴿مَا لَكَ لاَ تِئْمَنَّا﴾ [يوسف: ١١]. بكسر حرف المضارعة، وكذلك ابن مسعود والأشهب والعقيلي، إلا أنهما أبْدَلاَ الهمزة ياءً.
وجعل ابن عطية ذلك لغة قُرَيْشٍ، وغلَّطه أبو حيّان وقد تقدّمَ الْكَلاَمُ في كسر حرف المضارعةِ، وشرطه في الفاتحة(١) يقال : أمنته بكذا، وعلى كذا، فالباءُ للإلصاق بالأمانة، و " على " بمعنى استيلاء المودع على الأمانة.
وقيل : معنى : أمنته بكذا، وثقت به فيه، وأمنته عليه : جعلته أميناً عليه.
والقنطارُ والدينار : المراد بهما العددُ الكثيرُ، والعدد القليل، يعني : أن فيهم مَنْ هو في غاية الأمانة، حتى أنه لو ائتمِن على الأموال الكثيرة أدَّى الأمانة فيها، ومنهم من هو في غاية الخيانة، حتى لو ائتُمِن على الشيء القليل فإنه يخون فيه.
واختلف في القنطار، فقيل : ألف ومائتان أوقية ؛ لأن الآية نزلت في عبد الله بن سلام، حين استودعه رجل من قريش ألفاً ومائتي أوقية من الذهب، فردَّه، ولم يَخُنْ فيه (٢).
ورُوِي عن ابن عباس أنه مِلْءُ جلد ثور من المال.
وقيل : ألف ألف دينار، أو ألف ألف درهم - وقد تقدم-.
والدينار : أصله : دِنَّار - بنونين - فاستثقل توالي مثلَيْن، فأبدلوا أولهما حرفَ علة، تخفيفاً ؛ لكثرة دوره في لسانهم، ويدل على ذلك رَدُّه إلى النونين - تكسيراً وتصغيراً - في قولهم : دَنَانير ودُنَيْنِير.
ومثله قيراط، أصله : قِرَّاط، بدليل قراريط وقُرَيْرِيط، كما قالوا : تَظَنَّيْتُ، وقصَّصْتُ أظفاري، يريدون : تظنّنت وقصّصت - بثلاث نونات وثلاث صاداتٍ - والدِّينار مُعرَّب، قالوا : ولم يختلف وزنه أصْلاً وهو أربعة وعشرون قيراطاً، كل قِيراطٍ ثلاث شعيرات معتدلاتٍ، فالمجموع اثنان وسبعون شعيرةً.
وقرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم " يُؤَدِّهْ " بسكون الهاء في الحرفين.
وقرأ قالون " يُؤَدِّهِ " بكسر الهاء من دون صلة، والباقون بكسرها موصولة بياء(٣)، وعن هشام وجهان :
أحدهما : كقالون، والآخر كالجماعة.
أما قراءة أبي عمرو ومن معه فقد خرَّجوها على أوجه، أحسنها أنه سكنت هاء الضمير، إجراءً للوصْل مجرى الوقف وهو باب واسع مضى منه شيء - نحو :﴿يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩] و﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وسيأتي منه أشياء إن شاء الله تعالى.
وأنشد ابنُ مجاهد على ذلك :[ البسيط ]
| أشْرَبُ الْمَاءَ مَا بِي نَحْوَهُ عَطَشٌ | إلاَّ لأنَّ عُيُونَهْ سَيْلُ وَادِيهَا(٤) |
| فَبتُّ لَدَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ أخِيلُهُ | وَمِطْوايَ مُشْتَاقَانِ لَهْ أرقَان(٥) |
وقد طعن بعضهم على هذه القراءةِ، فقال الزَّجَّاجُ : هذا الإسكان الذي رُوِيَ عن هؤلاء غلط بَيِّنٌ ؛ وأن الفاء لا ينبغي أن تُجْزَم، وإذا لم تُجْزَم فلا تسكن في الوصل، وأما أبو عمرو فأُراه كان يختلس الكسرة، فغلط عليه كما غلط عليه في " باريكم ". وقد حكى عنه سيبويه - وهو ضابط لمثل هذا - أنه كان يكسر كسراً خفياً، يعني يكسر في ﴿بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] كسراً خفيًّا، فظنه الراوي سكوناً.
قال شهابُ الدينِ : وهذا الرد من الزجَّاج ليس بشيءٍ لوجوه :
منها : أنه فَرَّ من السكون إلى الاختلاس، والذي نصَّ على أن السكون لا يجوز نص على أنَّ الاختلاس - أيضاً - لا يجوز إلا في ضرورة، بل جعل الإسكان في الضرورة أحسن منه في الاختلاس، قال : ليُجْرَى الوصلُ مجرى الوقف إجراء كاملاً، وجعل قوله :[ البسيط ]
. . . *** إلاَّ لأن عُيُونَهْ سَيْلُ وَادِيهَا(٦)
أحسن من قوله :[ البسيط ]
. . . *** مَا حَجَّ رَبَّهُ في الدُّنْيَا ولا اعْتَمَرَا(٧)
حيث سكن الأول، واختلس الثاني.
ومنها أن هذه لغة ثابتة عن العرب حفظها الأئمة الأعلام كالكسائي والفراء - حكى الكسائيُّ عن بني عقيل وبني كلابٍ ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُود﴾ [العاديات: ٦] - بسكون الهاء وكسرها من غير إشباع-.
ويقولون : لَهُ مال، ولَهْ مالٌ - بالإسكان والاختلاس.
قال الفراء : من العرب مَنْ يجزم الهاء - إذا تحرَّك ما قبلَها - نحو ضَرَبْتُهْ ضرباً شديداً، فيسكنون الهاء كما يسكنون ميم " أنتم " و " قمتم " وأصلها الرفع.
وأنشد :[ الرجز ]
| لمَّا رَأى أن لا دَعَهْ ولا شِبَعْ | مَالَ إلَى أرْطَاةِ حِقف فالطَجَعْ(٨) |
وزعم بعضهم أن الفعلَ لما كان مجزوماً، وحلت الهاءُ محلّ لامِهِ جرى عليها ما يَجْرِي على لام الفعل - من السكون للجزم - وهو غير سديدٍ.
وأما قراءة قالون فأنشدوا عليها قول الشاعر :[ الوافر ]
| لَهُ زَجَلٌ كأنَّهُ صَوْتُ حَادٍ | إذَا طَلَبَ الْوَسِيقَةَ أوْ زَمِيرُ(٩) |
| أنَا ابْنُ كِلابٍ وابْنُ أوْسٍ فَمَنْ يَكُنْ | قِنَاعُهُ مغْطِيًّا فَإنِّي لَمُجْتَلى(١٠) |
| أوْ مَعْبَرُ الظَّهْرِ يُنْبي عَنْ وَلِيَّتِهِ | مَا حَجَّ رَبَّهُ فِي الدُّنْيَا وَلا اعْتَمَرَا(١١) |
إذا علم ذلك فنقول : هذه الكلمات - المشار إليها - إن نظرنا إلى اللفظ فقد وقعت بعد متحرِّك، فحقها أن تشبع حركتها موصولةً بالياء، أو الواو، وإن سكنت فلما تقدم من إجراء الوصل مُجرى الوقف. وإن نظرنا إلى الأصل فقد سبقها ساكن - وهو حَرْفُ العلة المحذوف للجزم - فلذلك جاز الاختلاسُ، وهذا أصل نافع مطرد في جميع هذه الكلمات.
قوله ﴿بِدِينَارٍ﴾ في هذه الباء ثلاثة أوجهٍ :
أحدها : أنها للإلصاق، وفيه قَلَقٌ.
الثاني : أنها بمعنى " في " ولا بد من حذف مضاف، أي : في حفظ قنطار، وفي حفظ دينار.
الثالث : أنها بمعنى " على " وقد عُدِّيَ بها كثيراً، كقوله :﴿مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١] وقوله :﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٦٤] وكذلك هي في ﴿بِقِنطَارٍ﴾.
قوله :﴿إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً﴾ استثناء مفرَّغ من الظرف العام ؛ إذ التقدير : لا يؤده إليك في جميع المُددِ والأزمنة إلا في مدة دوامك قائماً عليه، متوكِّلاً به و " دُمْتَ " هذه هي الناقصةُ، ترفع وتنصب، وشرط إعمالها أن يتقدمها ما الظرفية كهذه الآية إذ التقدير إلا مدة دوامك [ ولا ينصرف، فأما قولهم :" يدوم " فمضارع " دام " التامة بمعنى بقي، ولكونها صلة ل " ما " الظرفية ] لزم أن يكون بحاجة إلى كلام آخر، ليعمل في الظرف نحو أصحبك ما دمت باكياً ولو قلت ما دام زيد قائماً من غير شيء لم يكن كلاماً.
وجوز أبو البقاء في " ما " هذه أن تكون مصدرية فقط، وذلك المصدر - المنسبك منها ومن دام - في محل نصب على الحال، وهو استثناءٌ مفرَّغ - أيضاً - من الأحوال المقدَّرة العامة، والتقدير : إلا في حال ملازمتك له، وعلى هذا، فيكون " دَامَ " هنا تامة ؛ لما تقدم من أن تقدُّم الظرفية شرط في إعمالها، فإذا كانت تامة انتصب " قَائماً " على الحال، يقال : دام يدُوم - كقام يقوم - و " دُمت قائماً " بضم الفاء وهذه لغة الحجاز، وتميم يقولون : دِمْت - بكسرها - وبها قرأ أبو عبد الرحمن وابن وثّابٍ والأعمشُ وطلحة والفياضُ بن غزوان(١٣) وهذه لغة تميم، ويجتمعون في المضارع، فيقولون : يدوم يعني : أن الحجازيين والتميميين اتفقوا على أن المضارع مضمومُ الْعَيْنِ، وكان قياسُ تميم أن تقول يُدام كخاف يخاف - فيكون وزنها عند الحجازيين فعَل - بفتح العين - وعند التميمين فِعل بكسرها هذا نقل الفراء.
وأما غيره فنقل عن تميم أنهم يقولون : دِمْتُ أدام - كخِفت أخاف - نقل ذلك أبو إسحاق وغيره كالراغب الأصبهاني والزمخشري.
وأصل هذه المادة : الدلالة على الثبوت والسكون، يقل : دام الماء، أي سكن. وفي الحديث :" لا يبولن أحدكم في الماء الدائم " وفي بعضه بزيادة : الذي لا يجري، وهو تفسير له، وأدَمْت القِدْرَ، ودومتها سكنت غليانها بالماء، ومنه : دامَ الشيء، إذا امتدَّ عليه الزمان، ودوَّمت الشمس : إذا وقعت في كبد السماء.
قال ذو الرمة :[ البسيط ]
. . . *** وَالشَّمْسُ حيْرَى لَهَا في الْجَوِّ تَدْوِيمُ(١٤)
هكذا أنشد الراغبُ هذا الشطر على هذا المعنى، وغيره ينشده على معنى أن الدوام يُعَبَّر به عن الاستدارة حول الشيء، ومنه الدوام، وهو الدُّوَار الذي يأخذ الإنسان في دماغه، فيرَى الأشياء دائرة. وأنشد معه - أيضاً - قول علقمة به عَبدَة :[ البسيط ]
| تَشْفِي الصُّدَاعَ وَلاَ يُؤْذِيكَ سَالِيهَا | وَلاَ يُخَالِطُهَا فِي الرَّأْسِ تَدْوِيمُ(١٥) |
قوله :" عَلَيْهِ " متعلق ب " قائِماً " وفي المراد بالقيام - هنا - وجهان :
الأول : الحقيقة، وهو أن يقوم على رأس غريمه، ويلازمه بالمطالبة، وإن أخَّره أنكر.
قال القرطبيُّ : استدل أبو حنيفةَ على مذهبه ف
١ ينظر كلامه عند آية (٥) من سورة الفاتحة..
٢ ذكره الرازي في "التفسير الكبير" (٨/٨٨- ٨٩)..
٣ ينظر: السبعة ٢٠٧، والكشف ١/٣٤٩، وحجة القراءات ١٦٦- ١٦٧، وإعراب القراءات ١١٤- ١١٦، والعنوان ٨٠، وإتحاف ١/٤٨٢..
٤ ينظر خزانة الأدب ٥/٢٧٠، ٦/٤٥٠، والخصائص ١/١٢٨، ٣١٧، ٢/١٨، والدرر ١/١٨٢، ورصف المباني ص ١٦، وسر صناعة الإعراب ٢/٧٢٧، ولسان العرب (ها)، والمحتسب ١/٢٤٤، والمقرب ٢/٢٠٥، وهمع الهوامع ١/٥٩، والدر المصون ٢/١٤٠..
٥ البيت ليعلى بن الأحول الأزدي ينظر خزانة الأدب ٥/٢٦٩، ٢٧٥، ولسان العرب (مطا) ٤٧٧٢ (ها)، والخصائص (١/١٢٨، ٣٧٠) ورصف المباني ص ١٦، وسر صناعة الإعراب ٢/٧٢٧، والمحتسب ١/٢٤٤، والمقتضب ١/٢٣٩، ٢٦٧ والمنصف ٣/٨٤. والدر المصون ٢/١٤٠..
٦ عجز بيت وصدره:
وأشرب الماء ما بي نحوه عطش ***...
ينظر خزانة الأدب ٥/٢٧٠، ٦/٤٥٠ والخصائص ١/١٢٨، ٣١٧، ٢/١٨ والدرر ١/١٨٢ ورصف المباني ص ١٦ وسر صناعة الإعراب ٢/٧٢٧ واللسان (ها) والمحتسب ١/٢٤٤ والمقرب ٢/٢٠٥ وهمع الهوامع ١/٥٩..
٧ تقدم برقم ٤١٢..
٨ البيت لمنظور بن حبة الأسدي. ينظر الخصائص ١/٦٣- ٢٦٣ وابن يعيش ٩/٨٢ واللسان (رطا) والمحتسب ١/١٢٤ ومعاني الفراء ١/٣٨٨ وأوضح المسالك ٣/٣١٣ والمقرب ٢/١٧٩ والمنصف ٢/٣٢٩ وتذكرة النحاة ص ٣٠ وضرائر الشعر ص ٣٠ وشرح الشافية ٢/٢٨٠ وشرح الجمل ٢/٥٩٣ والدر المصون ٢/١٤١..
٩ تقدم برقم ٤١١..
١٠ ينظر البيت في الأنصاف (٩٨) واللسان (غطى) ومعاني القرآن للفراء ١/٢٢٣ والدر المصون ٢/١٤١..
١١ تقدم برقم ٤١٢..
١٢ ينظر: البحر المحيط ٢/٥٢٤، والدر المصون ٢/١٤٢..
١٣ انظر: الكشاف ١/٣٧٥، والمحرر الوجيز ١/٤٥٨، والبحر المحيط ٢/٥٢٥، والدر المصون ٢/١٤٣..
١٤ هذا عجز بيت صدره:
معروريا رمض الرضراض يركضه
ينظر ديوانه (٤١٨) واللسان (دوم) وأساس البلاغة ص ٤٤٩، والمفردات في غريب القرآن ص ١٧٧ والبحر ٢/٥٢٢ والدر المصون ٢/١٤٣..
١٥ ينظر البيت في ديوانه ٦٩ والبحر ١/١٦١ والمفضليات ٤٠٢..
٢ ذكره الرازي في "التفسير الكبير" (٨/٨٨- ٨٩)..
٣ ينظر: السبعة ٢٠٧، والكشف ١/٣٤٩، وحجة القراءات ١٦٦- ١٦٧، وإعراب القراءات ١١٤- ١١٦، والعنوان ٨٠، وإتحاف ١/٤٨٢..
٤ ينظر خزانة الأدب ٥/٢٧٠، ٦/٤٥٠، والخصائص ١/١٢٨، ٣١٧، ٢/١٨، والدرر ١/١٨٢، ورصف المباني ص ١٦، وسر صناعة الإعراب ٢/٧٢٧، ولسان العرب (ها)، والمحتسب ١/٢٤٤، والمقرب ٢/٢٠٥، وهمع الهوامع ١/٥٩، والدر المصون ٢/١٤٠..
٥ البيت ليعلى بن الأحول الأزدي ينظر خزانة الأدب ٥/٢٦٩، ٢٧٥، ولسان العرب (مطا) ٤٧٧٢ (ها)، والخصائص (١/١٢٨، ٣٧٠) ورصف المباني ص ١٦، وسر صناعة الإعراب ٢/٧٢٧، والمحتسب ١/٢٤٤، والمقتضب ١/٢٣٩، ٢٦٧ والمنصف ٣/٨٤. والدر المصون ٢/١٤٠..
٦ عجز بيت وصدره:
وأشرب الماء ما بي نحوه عطش ***...
ينظر خزانة الأدب ٥/٢٧٠، ٦/٤٥٠ والخصائص ١/١٢٨، ٣١٧، ٢/١٨ والدرر ١/١٨٢ ورصف المباني ص ١٦ وسر صناعة الإعراب ٢/٧٢٧ واللسان (ها) والمحتسب ١/٢٤٤ والمقرب ٢/٢٠٥ وهمع الهوامع ١/٥٩..
٧ تقدم برقم ٤١٢..
٨ البيت لمنظور بن حبة الأسدي. ينظر الخصائص ١/٦٣- ٢٦٣ وابن يعيش ٩/٨٢ واللسان (رطا) والمحتسب ١/١٢٤ ومعاني الفراء ١/٣٨٨ وأوضح المسالك ٣/٣١٣ والمقرب ٢/١٧٩ والمنصف ٢/٣٢٩ وتذكرة النحاة ص ٣٠ وضرائر الشعر ص ٣٠ وشرح الشافية ٢/٢٨٠ وشرح الجمل ٢/٥٩٣ والدر المصون ٢/١٤١..
٩ تقدم برقم ٤١١..
١٠ ينظر البيت في الأنصاف (٩٨) واللسان (غطى) ومعاني القرآن للفراء ١/٢٢٣ والدر المصون ٢/١٤١..
١١ تقدم برقم ٤١٢..
١٢ ينظر: البحر المحيط ٢/٥٢٤، والدر المصون ٢/١٤٢..
١٣ انظر: الكشاف ١/٣٧٥، والمحرر الوجيز ١/٤٥٨، والبحر المحيط ٢/٥٢٥، والدر المصون ٢/١٤٣..
١٤ هذا عجز بيت صدره:
معروريا رمض الرضراض يركضه
ينظر ديوانه (٤١٨) واللسان (دوم) وأساس البلاغة ص ٤٤٩، والمفردات في غريب القرآن ص ١٧٧ والبحر ٢/٥٢٢ والدر المصون ٢/١٤٣..
١٥ ينظر البيت في ديوانه ٦٩ والبحر ١/١٦١ والمفضليات ٤٠٢..