معاني القرآن — الفراء

عن الكتاب
وقوله :﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾
كان الأعمش وعاصم يجزمان الهاء في يؤدِّه، و " نُولِّهْ ما تَوَلّى "، و " أرجِهْ وأخاه "، و " خيرا يرهْ "، و " شرا يرهْ ". وفيه لهما مذهبان ؛ أما أحدهما فإن القوم ظنّوا أن الجزم في الهاء، وإنما هو فيما قبل الهاء. فهذا وإن كان توهُّما ؛ خطأٌ. وأما الآخر فإن من العرب من يجزم الهاء إذا تحرّك ما قبلها ؛ فيقول ضربتهْ ضربا شديدا، أو يترك الهاء إذ سكَّنها وأصلها الرفع بمنزلة رأيتهم وأنتم ؛ ألا ترى أن الميم سكنت وأصلها الرفع. ومن العرب من يحرّك الهاء حركة بلا واو، فيقول ضربتهُ ( بلا واو ) ضربا شديدا. والوجه الأكثر أن توصَل بواو ؛ فيقال كلمتهو كلاما، على هذا البناء، وقد قال الشاعر في حذف الواو :
أنا ابن كِلاب وابن أوْس فمن يكنْقِناعهُ مَغْطِيّا فإنّي لمُجْتَلَى
وأما إذا سكن ما قبل الهاء فإنهم يختارون حذف الواو من الهاء ؛ فيقولون : دَعْهُ يذهب، ومنْه، وعنْه. ولا يكادون يقولون : منهو ولا عنهو، فيصلون بواو إذا سكن ما قبلها ؛ وذلك أنهم لا يقدِرون على تسكين الهاء وقبلها حرف ساكن، فلما صارت متحرّكة لا يجوز تسكينها اكتفَوا بحركتها من الواو.
وقوله ﴿إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قَائما﴾ يقول : ما دمت له متقاضيا. والتفسير في ذلك أن أهل الكتاب كانوا إذا بايعهم أهل الإسلام أدّى بعضهم الأمانة، وقال بعضهم : ليس للأمِّيِّين - وهم العرب - حُرْمة كحرمة أهل ديننا، فأخبر الله - تبارك وتعالى - أنّ فيهم أمانة وخيانة ؛ فقال تبارك وتعالى ﴿وَيَقُولُونَ على اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ في استحلالهم الذهاب بحقوق المسلمين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى