اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قال مقاتل والضَّحّاكُ ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ يعني عيسى - عليه السلام - وذلك أن نصارَى نجرانَ كانوا يقولون : إن عيسى أمرهم أن [ يتخذوه ] (١) (٢) ربًّا، فأنزل الله هذه الآية.
وقال ابن عباس وعطاء :﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ يعني محمداً ﷺ ﴿أَن يُؤْتِيهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾ أي : القرآن وذلك أن أبا رافع القُرظِي - من اليهود، والرئيس - من نصارى نَجْران، قالا :" يا محمد، أتريد أن نعبدَك ونتخذك رباً ؟ قَالَ :" مَعَاذَ اللهِ أنْ نَأمُرَ بِعبَادَةِ غَيْرِ اللهِ، مَا بِذَلِكَ بَعَثَنِي اللهُ، وَلاَ بِذَلِكَ أمَرَنِي اللهُ ". فأنزل الله هذه الآية.
قال ابن عباسٍ : لما قالت اليهودُ : عُزَيْر ابنُ الله وقالت النصارى : المسيح ابنُ اللهِ نزلت هذه الآية.
والبشر جميع بني آدم، لا واحد له من لفظه - كالقوم والجيش - ويوضع موضع الواحدِ، والجمع، قال القرطبي :" لأنه بمنزلة المصدر.
قوله :﴿أَن يُؤْتِيهُ﴾ اسم " كَانَ " و " الْبَشَر " خبرها. وقوله :﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾ عطف على " يُؤتيهُ "، وهذا العطفُ لازم من حيث المعنى ؛ إذ لو سكت عنه لم يصحّ المعنى ؛ لأن الله - تعالى - قد آتى كثيراً من البشر الكتابَ والحُكْمَ والنبوةَ، وهذا كما يقولون - في بعض الأحوال والمفاعيل - : إنها لازمة فلا غرو - أيضاً - في لزوم المعطوف.
وإنما بينا هذا ؛ لأجل قراءة تأتي - إن شاء الله تعالى - ومعنى مجيء هذا النَّفي في كلام العرب، نحو :" ما كان لزيد أن يفعل "، كقوله تعالى :
﴿مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ [النور: ١٦]. وقوله :﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً﴾ [النساء: ٩٢] وقوله :﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] أي : ما ينبغي لنا، ونحوه بنفي الكون والمراد نفي خبره، وهو على قسمين :
قسم يكون النفي فيه من جهة العقل ؛ ويُعَبَّر عنه بالنفي التام - كهذه الآية - لأن الله - تعالى - لا يُعْطي الكتاب بالحكم والنبوة لمن يقول هذه المقالة الشنعاء، ونحوه :﴿مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا﴾ [النمل: ٦٠] وقوله :﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ [آل عمران: ١٤٥].
وقسم يكون النفي فيه على سبيل الانتفاء، كقول أبي بكر : ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم فيصلي بين يدي رسول الله ﷺ ويُعْرَف القسمان من السياق.
وقرأ العامة " يَقُولَ " - بالنصب - نسقاً على " يؤتيه " والتقدير : لا يجتمع النبوة وهذا القول. والعامل فيه " أن " وهو معطوف عليه بمعنى : ثم أن يقول.
والمراد بالحكم : الفَهْم والعلم. وقيل : إمضاء الحكم عن الله - عز وجل -.
و ﴿الْكِتَابَ﴾ القرآن.
وقرأ ابن كثير - في رواية شبل بن عباد - وأبو عمرو - في رواية محبوب - :" يقولُ " - بالرفع - وخرَّجوها على القطع والاستئناف، وهو مُشْكِلٌ ؛ لما تقدم من أن المعنى على لزوم ذكر هذا المعطوف ؛ إذْ لا يستقلّ ما قبله ؛ لفساد المعنى، فكيف يقولون : على القطع والاستئناف (٣).
قوله :﴿عِبَادًا﴾ حكى الواحديُّ - عن ابن عباسٍ - أنه قال في قوله تعالى :﴿كُونُواْ عِبَاداً لِّي﴾ أنه لغة مزينة ويقولون للعبيد : عباد.
قال ابنُ عطِية : ومن جموعه : عَبِيد وعِبِدَّى.
قال بعض اللغويين : هذه الجموع كلُّها بمعنًى.
وقال بعضهم : العبادُ للهِ، والعبيدُ والعِبِدَّى للبشر.
وقال بعضهم : العِبِدَّى إنما تقال في العبد من العَبيد، كأنه مبالغة تقتضي الإغراق في العبودية، والذي استقرأت في لفظ " العباد " أنه جَمْع عَبْد متى سيقت اللفظة في مضمار الترفُّع والدلالة على الطاعة دون أن يقترن بها معنى التحقير، وتصغير الشأن، وانظر قوله :﴿وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾
[آل عمران: ٣٠] ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] وقوله :﴿قُلْ يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] وقول عيسى في معنى الشفاعة والتعريض ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨]، وأما العبيد، فتستعمل في تحقيره.
ومنه قول امرئ القيس :
قُولاَ لِدُودَانَ عَبِيدِ العَصَامَا غَرَّكُمْ بِالأسَدِ الْبَاسِلِ(٤)
وقال حمزة بن عبد المطلب :" وَهَلْ أنْتُمْ إلاَّ عَبِيدٌ لأبِي " ؟ ومنه قوله :﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] لأنه مكان تشفيق وإعلام بقلة أنصارهم ومقدرتهم، وأنه - تعالى - ليس بظلامٍ لهم مع ذلك. ولما كانت " العباد " تقتضي الطاعة لم تقع هنا، ولذلك أتى بها في قوله تعالى :﴿قُلْ يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] فهذا النوع من النظر يسلك به سبيل العجائب في فصاحة القرآن على الطريقة العربية.
قال أبو حيّان :" وفيه بعض مناقشة، أما قوله : ومن جموعه عَبِيد وعِبِدَّى، فأما عبيد، فالأصح أنه جمع، وقيل اسم جمع. وأما عِبِدَّى فإنه اسم جمع، وألفه للتأنيث ".
قال شهابُ الدّينِ :" لا مناقشة، فإنه إنما يعني جَمْعاً معنويًّا، ولا شك أن اسمَ الجمع جَمْعٌ معنويٌّ ".
قال : وأما ما استقرأه من أن " عِباداً " يساق في [ مضمار ](٥) الترفُّع والدلالة على الطاعة، دون أن يقترن بها معنى التحقير والتصغير، وإيراده ألفاظاً في القرآن بلفظ " العباد " وأما قوله : وأما العبيد، فيستعمل في تحقيره - وأنشد بيت امرئ القيس، وقول حمزة :" وهل أنتم إلا عبيد أبي "، وقوله تعالى :﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] فاستقراء ليس بصحيح، إنما كثر استعمال " عباد " دون " عبيد " لأن " فعالاً " في جمع " فَعْل " غير الياء والعين قياس مُطَّردٌ، وجمع فَعْل على " فعيل " لا يطَّرد.
قال سيبويه :" وربما جاء " فعيلاً " وهو قليل - نحو الكليب والعبيد ". فلما كان " فِعَال " مقيساً في جمع " عبد " جاء " عباد " كثيراً، وأما ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] فحسَّنَ مجيئه هنا - وإن لم يكن مقيساً - أنه جحاء لتواخي الفواصل، ألا ترى أن قبله :{ { أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } [فصلت: ٤٤] وبعده ﴿قَالُواْ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٧] فحَسَّنَ مجيئه بلفظ العبيد مؤاخاة هاتين الفاصلتين. ونظير هذا - في سورة ق - ﴿وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩] لأن قبله :﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٨]. وبعده :﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] وأما مدلوله فمدلول " عباد " سواء، وأما بيت امرئ القيس فلم يُفْهَم التحقير من لفظ " عبيد " إنما فُهم من إضافتهم إلى العصا، ومن مجموع البيت. وكذلك قول حمزةَ : هل أنتم إلا عبيد ؟ إنما فهم التحقير من قرينة الحال التي كان عليها، وأتى في البيت وفي قول حمزة على أحد الجائزين.
وقال شهابُ الدينِ :" ردّه عليه استقراءه من غير إثباته ما يجرِّم الاستقراء مردود، وأما ادِّعاؤه أن التحقير مفهوم من السياق - دون لفظ -
" عبيد " - ممنوع ؛ لأنه إذا دار إحالة الحكم بين اللفظ وغيره، فالإحالة على اللفظ أوْلَى ".
قوله :" لي " صفة ل " عباد ". و ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ متعلق بلفظ " عِبَاداً " لما فيه من معنى الفعل، ويجوز أن يكون صفة ثانية، وأن يكون حالاً ؛ لتخصُّص النكرة بالوصف.
قوله :﴿وَلَكِن كُونُواْ﴾ أي : ولكن يقول : كونوا، فلا بد من إضمار القول هنا، ومذهب العرب جواز الإضمار إذا كان في الكلام ما يدل عليه، كقوله تعالى :﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] أي : يقال لهم ذلك.
والربانيون : جمع رَبَّانِيّ، وفيه قولان :
أحدهما : قال سيبَوَيْهِ : إنه منسوب إلى الرَّبّ، يعني كونه عالماً به، ومواظباً على طاعته، كما يُقال : رجل إلهيّ إذا كان مقبلاً على معرفة الإلهِ وطاعتِهِ، والألف والنونُ فيه زائدتان في النسبِ، دلالةٌ على المبالغة كرقباني وشَعراني، ولِحْيَاني - للغليظِ الرقبةِ، والكثيرِ الشعرِ، والطويلِ اللحيةِ - ولا تُفرد هذه الزيادة عن النسب أما إذا نسبوا إلى الرقبة والشعر واللحية - من غير مبالغة : قالوا : رَقَبيّ وشَعْرِيّ ولحويّ.
الثاني : قال المُبَرِّدُ : الربانيون : أرباب العلم، منسوب إلى رَبَّان، والربان : هو المُعَلِّم للخير، ومَن يوسوس للناس ويعرِّفُهم أمرَ دينهم، فالألف والنون والتاء على زيادة الوصف، كهي في عطشان وريان وجوعان ووسنان، ثم ضمت إليه ياء النسب - كما قيل : لحيانيّ ورقبانيّ - وتكون النسبة - على هذا - في الوصف نحو أحمري، قال :[ الرجز ]
أطَرَباً وَأنتَ قِنَّسْرِيُّوَالدَّهْرُ بِالإنْسَانِ دَوَّارِيُّ(٦)
وقال سيبويه : زادوا ألفاً ونوناً في الربانيّ ؛ لأنهم أرادوا تخصيصاً بعلم الرَّبِّ دون غيره من العلوم، وهذا كما يقال : شعرانيّ ولحيانيّ ورقبانيّ.
قال الواحديُّ : فعلى قول سيبويه الرباني منسوب إلى الربِّ مأخوذٌ من التربية.
وفي التفسير : كونوا فقهاء، علماء، عاملين. قاله عليٌّ وابن عباس(٧) والحسنُ.
وقال قتادةُ : حكماء، علماء(٨) وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس : فقهاء، معلمين (٩).
وقل عطاءٌ : علماء، حكماء، نصحاء لله في خلقه(١٠).
وقيل : الرَّبَّانِيّ : الذي يُربِّي الناسَ بصغار العلم قَبل كِباره.
وقال سعيد بن جُبَيرٍ : الرباني : العالم الذي يعمل بعلمه (١١).
وقيل : الربانيون فوق الأحبار، والأحبارُ : العلماء، والربانيون : الذين جمعوا مع العلم البصارة لسياسة الناس، ولما مات ابنُ عبَّاسٍ قال محمدُ بنُ الحنفيةَ : اليوم مات رَبَّانِيُّ هذه الأمة.
وقال ابنُ زيدٍ : الربانيُّ : هو الذي يربُّ النَّاسَ، والربانيون هم : ولاة الأمة والعلماء، وذكروا هذا - أيضاً - في قوله تعالى :﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٦٣] أي : الولاة والعلماء، وهما الفريقان اللذان يطاعان.
ومعنى الآية - على هذا التقدير - لا أدعوكم إلى أن تكونوا عباداً لي، ولكن أدعوكم إلى أن تكونوا ملوكاً وعلماء باستعمالكم أمر الله تعالى، ومواظبتكم على طاعته.
قال القفال : يحتمل أن يكون الوالي، سُمِّي ربانيًّا ؛ لأنه يُطاع كالربِّ، فنسب إليه.
قال أبو عبيدة : أحسب أن هذه الكلمة ليست بعربيةٍ، إنما هي عبرانية، أو سريانية، وسواء كانت عبرانية، أو سريانية، أو عربية فهي تدل على الإنسان الذي عَلِمَ وعَمِلَ بما عَلِم، ثم اشتغل بتعليم الخيرِ.
قوله :﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾ الباء سببية، أي : كونوا علماء بسبب كَوْنِكُمْ، وفي متعلق هذه الباء ثلاثة أقوالٍ :
أحدها : أنها متعلقة ب " كُونُوا " ذكره أبو البقاء، والخلاف مشهورٌ.
الثاني : أن تتعلق ب " رَبَّانِيِّينَ " لأن فيه معنى الفعل.
الثالث : أن تتعلق بمحذوف على أنها صفة ل " رَبَّانِيِّينَ " ذكره أبو البقاء، وليس بواضح المعنى، و " ما " مصد
١ سقط في أ..
٢ في ب: يتخذهم..
٣ ينظر: المحرر الوجيز ١/٤٦٢، والبحر المحيط ٢/٥٢٩، والدر المصون ٢/١٤٦..
٤ ينظر البيت في ديوانه (١١٩) وابن الشجري ١/٢٦٤ والشعر والشعراء ١/١٢٢ والتاج ٧/٢٢٧ والبحر المحيط ٢/٥٢٩ والدر المصون ٢/١٤٦..
٥ في أ: معنى..
٦ البيت للعجاج. ينظر ديوانه (١/٤٨٠) والكتاب ١/٢٣٨ والمخصص ١/٤٥ والمحتسب ١/٣١٠ وابن الشجري ١/١٦٢ وابن يعيش ٣/١٣٩ والخزانة ١١/٢٧٤ والدرر ١/١٥٦ والهمع ١/١٦٢ والمنصف ٢/١٧٩ والأشموني ٤/٢٠٣ والمغني ١/١٨ وديوان الحماسة ٤/١٨٨٨ وفقه اللغة ص ٧٥ وإعراب ثلاثة سورة ص ١٩ واللسان (قنس) والمقرب (ص ٤٠٨) والدر المصون ٢/١٤٧..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٥٤٢) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٨٣) وزاد نسبته لابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس..
٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٥٤٠) عن أبي رزين..
٩ أخرجه الطبري في تفسيره (٦/٤٥٢) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس..
١٠ ذكره أبو حيان في "البحر اتلمحيط (٢/٥٣٠) عن عطاء..
١١ انظر المصدر السابق..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى