مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي
عن الكتاب
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ الله الكتاب﴾ تكذيب لمن اعتقد عبادة عيسى عليه السلام. وقيل : قال رجل : يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك ؟ قال :" لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله ". ﴿والحكم﴾ والحكمة وهي السنة أو فصل القضاء ﴿والنبوة ثُمَّ يَقُولَ﴾ عطف على «يؤتيه » ﴿لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى مِن دُونِ الله ولكن كُونُواْ ربانيين﴾ ولكن يقول : كونوا ربانيين. والرباني منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون وهو شديد التمسك بدين الله وطاعته. وحين مات ابن عباس قال ابن الحنفية : مات رباني هذه الأمة. وعن الحسن : ربانيين علماء فقهاء. وقيل : علماء معلمين. وقالوا : الرباني العالم العامل ﴿بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ الكتاب﴾ كوفي وشامي أي غيركم غيرهم بالتخفيف ﴿وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ أي تقرؤون، والمعنى بسبب كونكم عالمين وبسبب كونكم دارسين للعلم كانت الربانية التي هي قوة التمسك بطاعة الله مسببة عن العلم والدراسة، وكفى به دليلاً على خيبة سعي من جهد نفسه وكد روحه في جمع العلم ثم لم يجعله ذريعة إلى العمل، فكان كمن غرس شجرة حسناء تؤنقه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها. وقيل : معنى «تدرسون » تدرسونه على الناس كقوله ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس﴾ [الإسراء: ١٠٦] فيكون معناه معنى تدرسون من التدريس كقراءة ابن جبير.