زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ في سبب نزولها ثلاثة أقوال :
أحدها : أن قوما من رؤساء اليهود والنصارى، قالوا : يا محمد أتريد أن نتخذك ربا ؟ فقال :( معاذ الله، ما بذلك بعثني ! ) فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس.
والثاني : أن رجلا قال للنبي ﷺ : ألا نسجد لك ؟ قال :( لا، فإنه لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله ) فنزلت هذه الآية، قاله الحسن البصري.
والثالث : أنها نزلت في نصارى نجران حيث عبدوا عيسى. قاله الضحاك، ومقاتل.
وفيمن عنى ب " البشر " قولان :
أحدهما : محمد ﷺ. والكتاب : القرآن، قاله ابن عباس، وعطاء.
والثاني : عيسى، والكتاب : الإنجيل، قاله الضحاك، ومقاتل. والحكم : الفقه والعلم، قاله قتادة في آخرين.
قال الزجاج : ومعنى الآية : لا يجتمع لرجل نبوة، والقول للناس : كونوا عبادا لي من دون الله، لأن الله لا يصطفي الكذبة.
قوله تعالى :﴿وَلَكِن كُونُواْ﴾ أي : ولكن يقول لهم : كونوا، فحذف القول لدلالة الكلام عليه.
فأما الربانيون، فروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : هم الذين يغذون الناس بالحكمة، ويربونهم عليها. وقال ابن عباس، وابن جبير : هم الفقهاء المعلمون. وقال قتادة، وعطاء : هم الفقهاء العلماء الحكماء. قال ابن قتيبة : واحدهم رباني، وهم العلماء المعلمون. وقال أبو عبيد : أحسب الكلمة ليست بعربية، إنما هي عبرانية، أو سريانية، وذلك أن أبا عبيدة زعم أن العرب لا تعرف الربانيين. قال أبو عبيد : وإنما عرفها الفقهاء، وأهل العلم، قال : وسمعت رجلا عالما بالكتب يقول : هم العلماء بالحلال والحرام، والأمر والنهي. وحكى ابن الأنباري عن بعض اللغويين : الرباني : منسوب إلى الرب، لأن العلم : مما يطاع الله به، فدخلت الألف والنون في النسبة للمبالغة، كما قالوا : رجل لحياني : إذا بالغوا في وصفه بكبر اللحية.
قوله تعالى :﴿بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ الْكِتَابَ﴾ قرأ ابن كثير، ونافع و أبو عمرو : تعلمون، بإسكان العين، ونصب اللام. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي : تعلمون مثقلا، وكلهم قرؤوا :" تدرسون " خفيفة. وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وأبو رزين، وسعيد بن جبير، وطلحة بن مصرف، وأبو حيوة : تدرسون، بضم التاء مع التشديد. والدراسة : القراءة. قال الزجاج : ومعنى الكلام : ليكن هديكم ونيتكم في التعليم هدي العلماء والحكماء، لأن العالم إنما يستحق هذا الاسم إذا عمل بعلمه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى