الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ تكذيب لمن اعتقد عبادة عيسى. وقيل :" إنّ أبا رافع القرظي والسيد من نصارى نجران قالا لرسول الله ﷺ : أتريد أن نعبدك ونتخذك ربا ؟ فقال معاذ الله أن نعبد غير الله، أو أن نأمر بعبادة غير الله فما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني فنزلت ". وقيل :( قال رجل : يا رسول الله، نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك ؟ قال : لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله ). ﴿والحكم﴾ والحكمة وهي السنة ﴿ولكن كُونُواْ ربانيين﴾ ولكن يقول كونوا. والربانيّ : منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون ؛ كما يقال : رقباني ولحياني، وهو الشديد التمسك بدين الله وطاعته. وعن محمد ابن الحنفية : أنه قال حين مات ابن عباس : اليوم مات ربانيّ هذه الأمّة. وعن الحسن : ربانيين علماء فقهاء. وقيل : علماء معلمين. وكانوا يقولون : الشارع الرباني : العالم العامل المعلم ﴿بِمَا كُنتُمْ﴾ بسبب كونكم عالمين وبسبب كونكم دارسين للعلم أوجب أن تكون الربانية التي هي قوّة التمسك بطاعة الله مسببة عن العلم والدراسة، وكفى به دليلاً على خيبة سعي من جهد نفسه وكدّ روحه في جمع العلم، ثم لم يجعله ذريعة إلى العمل، فكان مثله مثل من غرس شجرة حسناء تونقه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها : وقرئ «تعلمون »، من التعليم. «وتعلمون » من التعلم ﴿تَدْرُسُونَ﴾ تقرؤن. وقرئ «تدرسون »، من التدريس. وتدرسون على أن أدرس بمعنى درّس كأكرم وكرّم وأنزل ونزَّل. «وتدرّسون »، من التدرّس. ويجوز أن يكون معناه ومعنى تدرسون بالتخفيف : تدرسونه على الناس كقوله :﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس﴾ [الإسراء: ١٠٦] فيكون معناهما معنى تدرسون من التدريس. وفيه أن من علم ودرس العلم ولم يعمل به فليس من الله في شيء، وأن السبب بينه وبين ربه منقطع، حيث لم يثبت النسبة إليه إلا للمتمسكين بطاعته.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى