الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :( مَا كَانَ لِبَشَرٍ اَنْ يُّوتِيَهُ اللَّهُ الكِتَابَ وَالْحُكْمَ(١) وَالنُّبُوءَةَ(٢) ) [ ٧٩ ] أي : ما ينبغي لبشر أن ينزل الله عليه الكتاب ويعطيه الحكم، وهو الفقه في الدين، ويعطيه النبوءة ثم يدعو الناس إلى عبادته، بل يدعوهم إلى الله وإلى عبادته.
وروي أنها نزلت في النفر من اليهود والنصارى الذين دعاهم النبي ﷺ إلى الإسلام(٣). وروي أن اليهود قالت له(٤) : تريد يا محمد أن نعبدك كما عبدت النصارى عيسى ؟
وقال الرئيس من نصارى نجران : ذاك تريد منا يا محمد ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم(٥) : معاذ الله أن أعبد(٦) غير الله، أو آمر بعبادة غيره ما بذلك بعثت فأنزل الله جل ذكره ( مَا كَانَ لِبَشَرٍ ) الآية(٧).
ثم قال(٨) :( وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ) أي... حكماء علماء ( بِمَا كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) من شدة فهو مشتمل على معنى التخفيف لأن من علمنا شيئاً فقد علم(٩).
قال الضحاك : لا ينبغي لأحد أن يدع حفظ القرآن جهده، فإن الله تعالى يقول :( وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ) فقهاء علماء بعلم الكتاب ودرسكم إياه(١٠).
هذا على قراءة من خفف.
( ومن شدد فمعناه : بتعليمكم الكتاب وبدرسكم إياه " )(١١) وكل معلم عالم، وليس كل عالم معلماً، فالتشديد أعم وأبلغ وأمدح(١٢). ونزلت هذه الآية حين قالت اليهود من(١٣) أهل نجران وغيرهم : أتريد يا محمد أن نعبدك فقال النبي ﷺ : معاذ الله أن نعبد غير الله أو نأمر(١٤) بعبادة غير الله(١٥) ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني " أو كما قال فأنزل الله عز وجل ( مَا كَانَ لِبَشَرٍ ) الآية.
ومعنى ( وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ) أي : ما ينبغي لبشر أن يفعل ذلك مع الناس وأن يقول لهم ذلك، ولكن يقول لهم كونوا ربانيين " (١٦).
أي حكماء علماء(١٧).
وقيل : فقهاء علماء فتركوا القول لدلالة الكلام عليه.
وقال ابن زيد : الربانيون ولاة الأمر، وقرأ ( لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ )، وقال : هم ولاة الأمر(١٨).
والألف والنون في " ربانيين " دخلت للمبالغة كجماني للعظيم الجمة، وكذلك غضبان للممتلئ غيظاً ومعنى الرباني العالم بدين الرب، وكأنه في الأصل الربي منسوب إلى الرب ثم دخلت الألف والنون للمبالغة، وجمع جمع السلامة بالياء والنون والألف والنون(١٩).
قال مجاهد : الربانيون، فوق الأحبار(٢٠).
قال النحاس : الأحبار العلماء، والربانيون الذين جمعوا مع العلم السياسة والصلاح(٢١).
من قولهم : ربَّ(٢٢) فلان الأمر(٢٣) إذا أصلحه.
وقد قي في ( وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ) أي : الفقه(٢٤).
والأحسن أن يكون مردوداً على ما قبله فتكون الدراسة للكتاب الذي جرى ذكره، ولم يجر ذكر(٢٥) للفقه.
والكتاب هنا القرآن، قاله عاصم(٢٦).
١ - (أ): الحكمة وهو خطأ..
٢ - ساقط من (أ)..
٣ - انظر: جامع البيان ٣/٣٢٥..
٤ - (ج): أتريد..
٥ - (ج): صلى الله عليه وسلم..
٦ - (أ): أن نعبد..
٧ - انظر: جامع البيان ٣/٣٢٥ والدر المنثور ٢/٢٥٠..
٨ - (أ): ثم قال قال..
٩ - هذه العبارة فيها شيء من التشويش، فهو يريد أن يقول: بما كنتم تعلِّمون –بقراءة التشديد- فهو مشتمل على معنى التخفيف أي القراءة بالتخفيف (تَعْلَمُون) لأن من علمنا شيئاً فقد علم. قاله المدقق..
١٠ - انظر: معاني الزجاج ١/٤٣٧..
١١ - ساقط من (ب)..
١٢ - في تعلمون وتدرسون أربع قراءات:
(أ): التخفيف وقرأ به نافع وأبو عمرو وابن كثير وأهل المدينة.
(ب) التشديد وقرأ به ابن عباس وعاصم، وحمزة والكسائي، وأهل الكوفة.
(ج): قرأ أبو حيوة تُدَرِسون بضم التاء وفتح الدال وكسر الراء، وفي رواية عنه بفتح الدال والراء معاً.
(د): وقرأ مجاهد والحسن تَعَلَّمون بفتح التاء والعين واللام المشددة، انظر: معاني الفراء ١/٢٢٤ والسبعة ٢١٣، وإعراب النحاس ١/٣٤٧، والحجة ١١٢، وحجة القراءات ١٦٦، والكشف ١/٣٥١، والعنوان ٨٠ والبحر ٢/٦٠٦..

١٣ - (ب): من ناصر أهل نجران..
١٤ - (أ) (د): ونامر..
١٥ - (ب): غيره..
١٦ - ساقط من (أ) و(ج)..
١٧ - من قوله ونزلت هذه الآية... أي: حكماء علماء، إقحام على النص وقد تقدم ما يغني عنه فهل كان مكي يملي هذا أم أنه كان يكتب وينسى ما كتب، أو أنه لا يراجع..
١٨ - انظر: جامع البيان ٣/٣٢٤-٣٢٧..
١٩ - انظر: المصدر السابق..
٢٠ - انظر: المصدر السابق..
٢١ - انظر: إعراب النحاسن ١/٣٤٧..
٢٢ - انظر: اللسان (رب) ١/٣٩٩..
٢٣ - (ج): القوم إذا صلح..
٢٤ - انظر: جامع البيان ٣/٣٢٨..
٢٥ - (أ): ذلك..
٢٦ - هو عاصم بن أبي النجود توفي (١٢٧) هـ أحد القراء السبعة ثقة محدث مشهور. تاريخ الثقات ٢٣٩ وغاية النهاية ١/٣٤٦..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى