جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النّبِيّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنّ بِهِ وَلَتَنصُرُنّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوَاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ الشّاهِدِينَ﴾
يعني بذلك جلّ ثناؤه : واذكروا يا أهل الكتاب إذ أخذ الله ميثاق النبيين، يعني حين أخذ الله ميثاق النبيين، وميثاقهم : ما وثقوا به على أنفسهم طاعة الله فيما أمرهم ونهاهم. وقد بينا أصل الميثاق باختلاف أهل التأويل فيه بما فيه الكفاية. ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق¹ ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ بفتح اللام من
«لما »، إلا أنهم اختلفوا في قراءة آتيتكم، فقرأه بعضهم ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ على التوحيد، وقرأه آخرون :«آتيناكم »، على الجمع.
ثم اختلف أهل العربية إذا قرىء ذلك كذلك، فقال بعض نحويي البصرة : اللام التي مع «ما » في أوّل الكلام لام الابتداء، نحو قول القائل : لزيد أفضل منك، لأن «ما » اسم، والذي بعدها صلة لها، واللام التي في :﴿لَتُوءْمِنُنّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنّهُ﴾ لام القسم، كأنه قال : والله لتؤمننّ به، يؤكد في أول الكلام وفي آخره، كما يقال : أما والله أن لو جئتني لكان كذا وكذا، وقد يستغنى عنها فيؤكد في لتؤمننّ به باللام في آخر الكلام، وقد يستغنى عنها، ويجعل خبر «ما آتيتكم من كتاب وحكمة »، «لتؤمننّ به »، مثل :«لعبد الله والله لا آتينه »، قال : وإن شئت جعلت خبر «ما » «من كتاب » يريد : لما آتيتكم كتابٌ وحكمة، وتكون «من » زائدة. وخطّأ بعض نحويي الكوفيين ذلك كله، وقال : اللام التي تدخل في أوائل الجزاء لا تجاب بما ولا «لا » فلا يقال لمن قام : لا تتبعه، ولا لمن قام : ما أحسن، فإذا وقع في جوابها «ما » و«لا » علم أن اللام ليست بتوكيد للأولى، لأنه يوضع موضعها «ما » و«لا »، فتكون كالأولى، وهي جواب للأولى. قال : وأما قوله :﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ بمعنى إسقاط «من » غلط، لأن «من » التي تدخل وتخرج لا تقع مواقع الأسماء، قال : ولا تقع في الخبر أيضا، إنما تقع في الجحد والاستفهام والجزاء.
وأولى الأقوال في تأويل هذه الآية على قراءة من قرأ ذلك بفتح اللام بالصواب أن يكون قوله :﴿لَمَا﴾ بمعنى : لمهما، وأن تكون «ما » حرف جزاء أدخلت عليها اللام، وصير الفعل معها على فَعَل، ثم أجيبت بما تجاب به الأيمان، فصارت اللام الأولى يمينا إذ تلقيت بجواب اليمين.
وقرأ ذلك آخرون :«لِما آتَيْتُكُمْ » بكسر اللام من «لما »، وذلك قراءة جماعة من أهل الكوفة.
ثم اختلف قارئوا ذلك كذلك في تأويله، فقال بعضهم : معناه إذا قرىء كذلك : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين للذي آتيتكم، فما على هذه القراءة بمعنى : الذي عندهم. وكان تأويل الكلام : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين من أجل الذي آتاهم من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول : يعني : ثم إن جاءكم رسول، يعني ذكر محمد في التوراة، لتؤمنن به، أي ليكونن إيمانكم به للذي عندكم في التوراة من ذكره.
وقال آخرون منهم : تأويل ذلك إذا قرىء بكسر اللام من «لِما ». وإذ أخذ الله ميثاق النبيين للذي آتاهم من الحكمة، ثم جعل قوله : لتؤمنن به من الأخذ، أخذ الميثاق، كما يقال في الكلام : أخذت ميثاقك لتفعلن لأن أخذ الميثاق بمنزلة الاستحلاف. فكان تأويل الكلام عند قائل هذا القول : وإذا استحلف الله النبيين للذي آتاهم من كتاب وحكمة، متى جاءهم رسول مصدق لما معهم ليؤمننّ به ولينصرنه.
وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ :﴿وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثاقَ النّبِيّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ بفتح اللام، لأن الله عز وجلّ أخذ ميثاق جميع الأنبياء بتصديق كل رسول له ابتعثه إلى خلقه فيما ابتعثه به إليهم، كان ممن آتاه كتابا، أو من لم يؤته كتابا. وذلك أنه غير جائز وصف أحد من أنبياء الله عزّ وجلّ ورسله، بأنه كان ممن أبيح له التكذيب بأحد من رسله. فإذا كان ذلك كذلك، وكان معلوما أن منهم من أنزل عليه الكتاب، وأن منهم من لم ينزل عليه الكتاب، كان بيّنا أن قراءة من قرأ ذلك :«لِمَا آتَيْتُكُمْ » بكسر اللام، بمعنى : من أجل الذي آتيتكم من كتاب، لا وجه له مفهوم إلا على تأويل بعيد، وانتزاع عميق.
ثم اختلف أهل التأويل فيمن أخذ ميثاقه بالإيمان بمن جاءه من رسل الله مصدّقا لما معه، فقال بعضهم : إنما أخذ الله بذلك ميثاق أهل الكتاب، دون أنبيائهم، واستشهدوا لصحة قولهم بذلك بقوله :﴿لَتُؤْمِنَنّ بِه وَلتَنْصُرَنّهُ﴾ قالوا : فإنما أمر الذين أرسلت إليهم الرسل من الأمم بالإيمان برسل الله، ونصرتها على من خالفها. وأما الرسل فإنه لا وجه لأمرها بنصرة أحد، لأنها المحتاجة إلى المعونة على من خالفها من كفرة بني آدم، فأما هي فإنها لا تعين الكفرة على كفرها ولا تنصرها. قالوا : وإذا لم يكن غيرها وغير الأمم الكافرة، فمن الذي ينصر النبيّ، فيؤخذ ميثاقه بنصرته ؟ ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿وَإِذْ أخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النبِيّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ قال : هي خطأ من الكاتب، وهي في قراءة ابن مسعود :«وَإِذْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ».
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله :﴿وَإِذْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ النّبِيّينَ﴾ يقول : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب، وكذلك كان يقرؤها الربيع :«وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب »، إنما هي أهل الكتاب، قال : وكذلك كان يقرؤها أبيّ بن كعب، قال الربيع : ألا ترى أنه يقول :﴿ثُمّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدّق لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنَنّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنّهُ﴾ يقول : لتؤمننّ بمحمد ﷺ ولتنصرنه، قال : هم أهل الكتاب.
وقال آخرون : بل الذين أخذ ميثاقهم بذلك الأنبياء دون أممها. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى وأحمد بن حازم قالا : حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : إنما أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه في قوله :﴿وَإِذْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ النّبِيّينَ﴾ أن يصدّق بعضهم بعضا.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه في قوله :﴿وَإِذْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ النّبِيّينَ لَمَا آتَيْتكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾. . . الآية، قال : أخذ الله ميثاق الأول من الأنبياء ليصدقنّ وليؤمننّ بما جاء به الآخر منهم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن هاشم، قال : أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن عليّ بن أبي طالب، قال : لم يبعث الله عزّ وجلّ نبيا، آدم فمن بعده، إلا أخذ عليه العهد في محمد : لئن بعث وهو حيّ ليؤمننّ به ولينصرنه، ويأمره فيأخذ العهد على قومه، فقال :﴿وَإِذْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ النّبِيّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ﴾. . . الآية.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿وَإِذْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ النّبِيّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ﴾. . . الآية، هذا ميثاق أخذه الله على النبيين أن يصدّق بعضهم بعضا، وأن يبلغوا كتاب الله ورسالاته. فبلغت الأنبياء كتاب الله ورسالاته إلى قومهم، وأخذ عليهم فيما بلغتهم رسلهم أن يؤمنوا بمحمد ﷺ، ويصدّقوه وينصروه.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿وَإِذْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ النّبِيّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ﴾. . . الآية. قال : لم يبعث الله عزّ وجلّ نبيا قط من لدن نوح إلا أخذ ميثاقه : ليؤمننّ بمحمد، ولينصرنه إن خرج وهو حيّ، وإلا أخذ على قومه أن يؤمنوا به، ولينصرنه إن خرج وهم أحياء.
حدثني محمد بن سنان، قال : حدثنا عبد الكبير بن عبد المجيد أبو بكر الحنفي، قال : حدثنا عباد بن منصور قال : سألت الحسن، عن قوله :﴿وَإِذْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ النّبِيّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِن كِتابٍ وَحِكْمَةٍ﴾. . . الآية كلها، قال : أخذ الله ميثاق النبيين : ليبلغنّ آخركم أولكم ولا تختلفوا.
وقال آخرون : معنى ذلك : أنه ميثاق النبيين وأممهم، فاجتزأ بذكر الأنبياء عن ذكر أممها، لأن في ذكر أخذ الميثاق على المتبوع دلالة على أخذه على التباع، لأن الأمم هم تبّاع الأنبياء. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : ثم ذكر ما أخذ عليهم، يعني على أهل الكتاب، وعلى أنبيائهم من الميثاق بتصديقه، يعني بتصديق محمد ﷺ إذا جاءهم، وإقرارهم به على أنفسهم، فقال :﴿وَإِذْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ النّبِيّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ﴾. . . إلى آخر الآية.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا يونس بن بكير، قال : حدثنا محمد بن إسحاق، قال : ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قال : ثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، مثله.
وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : معنى ذلك : الخبر عن أخذ الله الميثاق من أنبيائه بتصديق بعضهم بعضا، وأخذ الأنبياء على أممها، وتباعها الميثاق بنحو الذي أخذ عليها ربها، من تصديق أنبياء الله ورسله بما جاءتها به، لأن الأنبياء عليهم السلام بذلك أرسلت إلى أممها، ولم يدّع أحد ممن صدق المرسلين أن نبيا أرسل إلى أمة بتكذيب أحد من أنبياء الله عزّ وجلّ، وحججه في عباده، بل كلها، وإن كذّب بعض الأمم بعض أنبياء الله بجحودها نبوّته، مقرّ بأن من ثبتت صحة نبوّته، فعليها الدينونة بتصديقه فذلك ميثاق مقرّ به جميعهم. ولا معنى لقول من زعم أن الميثاق إنما أخذ على الأمم دون الأنبياء، لأن الله عزّ وجلّ، قد أخبر أنه أخذ ذلك من النبيين، فسواء قال قائل : لم يأخذ ذلك منها ربها، أو قال : لم يأمرها ببلاغ ما أرسلت، وقد نصّ الله عزّ وجلّ أنه أمرها بتبليغه، لأنهما جميعا خبران من الله عنها، أحدهما أنه أخذ منها، والآخر منهما أنه أمرها، فإن جاز الشكّ في أحدهما جاز في الاَخر. وأما ما استشهد به الربيع

تفسير هذه الآية من كتب أخرى