زهرة التفاسير — أبو زهرة

عن الكتاب
﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا و هب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ( ٨ ) ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد ( ٩ ) إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم و لا أولادهم من الله شيئا و أولئك هم وقود النار ( ١٠ ) كدأب آل فرعون و الذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم و الله شديد العقاب ( ١١ ) قل للذين كفروا ستغلبون و تحشرون إلى جهنم و بئس المهاد ( ١٢ )﴾.
﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا﴾ هذه ضراعة يجب على كل مؤمن أن يتضرع بها إلى ربه. و قد قال بعض العلماء إنها من مقول الراسخين في العلم، فهم يقولون :﴿آمنا به كل من عند ربنا﴾ و يقولون أيضا :﴿ربنا لا تزغ قلوبنا﴾ و كأنهم إذ يعلنون الإيمان و الإذعان يضرعون إلى الله تعالى أن يحفظه و يبقيه بإبعادهم عن الزيغ و الاضطراب في العقيدة.
و قال بعض المفسرين : إن هذا كلام جديد، و هو تعليم من الله تعالى للمؤمنين ليدعوا بهذا الدعاء، و المعنى على الحالين : ربنا أي يا خالقنا و العليم بنفوسنا و القيوم على أمورنا ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا﴾ : لا تبتلينا بابتلاء و اختبار تزيغ معه قلوبنا، و تضطرب معه نفوسنا، فتكون الإزاغة عن الطريق المستقيم و المنهاج الحق. و الزيغ يبتدئ دائما بسيطرة الهواء على النفوس، فتضطرب فتحيد، فيكتب الزيغ فتزيغ، و هذا قول تعالى :﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم... ٥﴾ ( الصف ) و روت أم سلمة رضي الله عنها أن أكثر دعاء الرسول صلى الله عليه و سلم :" يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ". فقالت له : يا رسول الله ما أكثر دعائك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ؟ فقال :" يا أم سلمة، إنه ليس آدمي إلا و قلبه معلق بين أصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام، و من شاء أزاغ " (١).
﴿و هب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب﴾ هذا بقية الدعاء و الضراعة التي تجري على ألسنة الراسخين في العلم، و هي من تعليم الله سبحانه و تعالى، و هذا الدعاء يتضمن طلب الرحمة، و قد تضمن الأول طلب تثبيت الإيمان، و هو أول أبواب الرحمة، و الأصل لكل رحمة، فبعد أن علمنا الضراعة بأن لا تميل قلوبنا، وجهنا لطلب الأثر كذلك و هو الرحمة، و رحمة الله تفضل و نعمة و إنعام على العبد، لأنه و ما يملك ملك لله تعالى يتصرف فيه كما يتصف المالك في ملكه، و ليس لأحد عند رب العالمين حساب. والرحمة المطلوبة كملة شاملة جامعة، فتجمع النصر في الدنيا و القرار و الاطمئنان فيها، و النعيم في الآخرة. و التعبير بقوله تعالى :﴿من لدنك﴾ أي من عندك، و لدن لا تستعمل بمعنى عند إلا إذا كانت العندية في موضع خطير جليل عال. و المعنى على هذا أن الرحمة فيض من فيوض الله ينزل على عباده كما ينزل المطر من مرتفع السماء إلى الأرض. و قد ختمت الآية الكريمة بما يدل على أن هبة الرحمة شأن من شئون العلي القدير، و وصف من أوصافه، فقال سبحانه على ألسنة الضارعين المبتهلين :﴿إنك أنت الوهاب﴾ في هذا تأكيد رحمة الله تعالى بعدة مؤكدات، منها " إن " التي للتوكيد، و منها تأكيد الضمير بقوله " أنت " و منها القصر، أي لا يهب أحد سواك، و ذاك بتعريف الطرفين، و منها التعبير بصيغة المبالغة، و هي : الوهاب، و إنه سبحانه قد انفرد بالرحمة و هبة الرحمة لمن يشاء، و إن رجمته وسعت كل شيء.
١ رواه الترمذي: الدعوات ( ٣٤٤٤ ) عن شهر بن حوشب رضي الله عنه، و أحمد: مسند الأنصار ( ٢٥٤٥٧ )..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى