البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الهبة : العطية المتبرع بها، يقال : وهب يهب هبة، وأصله : أن يأتي المضارع على يفعِل، بكسر يالعين.
ولذلك حذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، لكن لما كانت العين حرف حلق فتحت مع مراعاة الكسرة المقدرة، وهو نحو : وضع يضع، إلاَّ أن هذا فتح لكون لامه حرف حلق، والأصل فيهما : يوهب ويوضع.
ويكون : وهب، بمعنى جعل، ويتعدى إذ ذاك إلى مفعولين، تقول العرب : وهبني الله فداك، أي : جعلني الله فداك.
وهي في هذا الوجه لا تتصرف، فلا تستعمل منها بهذا المعنى إلاَّ الفعل الماضي خاصة.
لدن : ظرف، وقل أن تفارقها : من، قاله ابن جني، ومعناها : ابتداء الغاية في زمان أو مكان، أو غيره من الذوات غير المكانية، وهي مبنية عند أكثر العرب، وإعرابها لغة قيسية، وذلك إذا كانت مفتوحة اللام مضمومة الدال بعدها النون، فمن بناها قيل : فأشبهها بالحروف في لزوم استعمال واحد، وامتناع الإخبار بها، بخلاف : عند، ولدى.
فإنهما لا يلزمان استعمالاً واحداً، فإنهما يكونان لابتداء الغاية، وغير ذلك، ويستعملان فضلة وعمدة، فالفضلة كثير، ومن العمدة ﴿وعنده مفاتح الغيب﴾ ﴿ولدينا كتاب ينطق بالحق﴾ وأوضح بعضهم علة البناء فقال : علة البناء كونها تدل على الملاصقة للشيء وتختص بها، بخلاف : عند، فإنها لا تختص بالملاصقة، فصار فيها معنى لا يدل عليه الظرف، بل هو من قبيل ما يدل عليه الحرف، فهي كأنها متضمنة للحرف الذي كان ينبغي أن يوضع دليلاً على القرب.
ومثله : ثم، و : هنا. لأنهما بُنيا لما تضمنا معنى الحرف الذي كان ينبغي أن يوضع ليدل على الإشارة.
ومن أعربها، وهم قيس، فتشبيهاً : بعند، لكون موضعها صالحاً لعند، وفيها تسع لغات غير الأولى : لَدُن، ولُدْنُ، ولَدْنٌ، ولَدِنٌ، ولَدُنِ، ولَدٌ ولُدْ، ولَدْ ولَتْ.
بإبدال الدال تاء، وتضاف إلى المفرد لفظاً كثيراً، وإلى الجملة قليلاً.
فمن إضافتها إلى الجملة الفعلية قول الشاعر :
صريع عوانٍ راقهن ورُقنَهُلدن شب حتى شاب سود الذوائبِ
وقال الآخر :
لزمنا لدن سالتمونا وفاقكمفلا يك منكم للخلاف جنوحُ
ومن إضافتها إلى الجملة الإسمية قول الشاعر :
تذكر نعماه لدن أنت يافعإلى أنت ذو فودين أبيض كالنسر
وجاء إضافتها إلى : أن والفعل، قال :
وليت فلم يقطع لدن أن وليتناقرابة ذي قربى ولا حق مسلم
وأحكام لدن كثيرة ذكرت في علم النحو.
﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا﴾ ويحتمل أن يكون هذا من جملة المقول أي : يقولون ربنا، وكأنهم لما رأوا انقسام الناس إلى زائغ، ومتذكر مؤمن، دعوا الله تعالى بلفظ الرب أن لا يزيغ قلوبهم بعد هدايتهم، فيلحقوا بمن في قلبه زيغ، ويحتمل أن يكون تعالى علمهم هذا الدعاء، والتقدير : قولوا ربنا.
ومعنى الإزاغة هنا الضلالة.
وفي نسبة ذلك إليه تعالى رد على المعتزلة في قولهم : إن الله لا يضل، إذ لو لم تكن الإزاغة من قبله تعالى لما جاز أن يدعى في رفع ما لا يجوز عليه فعله.
وقال الزجاج : المعنى : لا تكلفنا عبادة ثقيلة تزيغ بها قلوبنا، وهذا القول فيه التحفظ من خلق الله الزيغ والضلالة في قلب أحد من العباد.
وقال ابن كيسان : سألوا أن لا يزيغوا، فيزيغ الله قلوبهم، نحو :﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ أي : ثبتنا على هدايتك، وأن لا نزيغ، فنستحق أن تزيغ قلوبنا.
وهذه نزعة إعتزالية، كما قال الجبائي : لا تمنعها الألطاف التي بها يستمر القلب على صفة الإيمان.
ولما منعهم الألطاف لاستحقاقهم منع ذلك، جاز أن يقال : أزاغهم، ويدل عليه : فلما زاغوا.
وقال الجبائي أيضاً : لا تزغنا عن جنتك وثوابك.
وقال أبو مسلم : أحرسنا من الشيطان وشر أنفسنا حتى لا نزيغ.
وقال الزمخشري : لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا، أو : لا تمنعنا ألطافك بعد أن لطفت بنا. انتهى.
وهذه مسألة كلامية : هل الله تعالى خالق الشر كما هو خالق الخبر ؟ أو لا يخلق الشر ؟ فالأول : قول أهل السنة.
والثاني : قول المعتزلة.
وكل يفسر على مذهبه.
وقرأ الصديق، وأبو قائلة، والجراح : لا تزغ قلوبنا، بفتح التاء ورفع الباء وقرأ بعضهم : لا يزغ بالياء مفتوحة، ورفع باء قلوبنا، جعله من زاغ، وأسنده إلى القلوب.
وظاهره نهي القلوب عن الزيغ، وإنما هو من باب : لا أرينك هاهنا.
ولا أعرفن ربرباً حوراً مدامعه *** أي : لا تزغنا فتزيغ قلوبنا بعد إذ هديتنا.
ظاهره الهداية التي هي مقابلة الضلال وقيل : بعد اذ هديتنا للعلم بالمحكم، والتسليم للمتشابه من كتابك، و : إِذ، أصلها أن تكون ظرفاً، وهنا أضيف إليها : بعد، فصارت إسماً غير ظرف، وهي كانت قبل أن تخرج عن الظرفية تضاف إلى الجملة، واستصحب فيها حالها من الإضافة إلى الجملة، وليست الإضافة إليها تخرجها عن هذا الحكم.
ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿هذا يوم ينفع الصادقين﴾ ﴿يوم لا تملك﴾ في قراءة من رفع يوم ؟ وقول الشاعر.
على حين عاتبت المشيب على الصباعلى حين من تكتب عليه ذنوبه
على حين الكرام قليلألا ليت أيام الصفاء جديد
كيف خرج الظرف هنا عن بابه، واستعمل خبراً ومجروراً بحرف الجر، واسم ليت، وهو مع ذلك مضاف إلى الجملة ؟.
﴿وهب لنا من لدنك رحمة﴾ سألوا بلفظ الهبة المشعرة بالتفضل والإحسان إليهم من غير سبب ولا عمل ولا معاوضة، لأن الهبة كذلك تكون، وخصوها بأنها من عنده، والرحمة إن كانت من صفات الذات فلا يمكن فيها الهبة، بل يكون المعنى : نعيماً، أو ثواباً صادراً عن الرحمة.
ولما كان المسؤول صادراً عن الرحمة، صح أن يسألوا الرحمة إجراءً للسبب مجرى المسبب وقيل : معنى رحمة توفيقاً وسداداً وتثبيتاً لما نحن عليه من الإيمان والهدى.
﴿إنك أنت الوهاب﴾ هذا كالتعليل لقولهم : وهب لنا، كقولك : حل هذا المشكل إنك أنت العالم بالمشكلات، وأتى بصيغة المبالغة التي على فعال، وإن كانوا قد قالوا : وهوب، لمناسبة رؤوس الآي، ويجوز في : أنت، التوكيد للضمير، والفصل، والابتداء.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:قيل : وتضمنت هذه الآيات من ضروب الفصاحة.
حسن الإبهام، وهو فيما افتتحت به، لينبه الفكر إلى النظر فيما بعده من الكلام.
ومجاز التشبيه في مواضع منها ﴿نزل عليك الكتاب﴾ وحقيقة النزول طرح جرم من علوٍ إلى أسفل، والقرآن مثبت في اللوح الحفوظ، فلما أثبت في القلب صار بمنزلة جرم ألقي من علو إلى أسفل فشبه به، وأطلق عليه لفظ الإنزال.
وفي قوله :﴿لما بين يديه﴾ القرآن مصدّق لما تقدّمه من الكتب، شبه بالإنسان الذي بين يديه شيء يناله شيئاً فشيئاً.
وفي قوله :﴿وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان﴾ أقام المصدر فيه مقام اسم الفاعل، فجعل التوراة كالرجل الذي يوري عنك أمراً، أي : يستره لما فيها من المعاني الغامضة، والإنجيل شبه لما فيه من اتساع الترغيب والترهيب والمواعظ والخضوع بالعين النجلاء، وجعل ذلك هدى لما فيه من الإرشاد، كالطريق الذي يهديك إلى المكان الذي ترومه، وشبه الفرقان بالجرم الفارق بين جرمين.
وفي قوله :﴿عذاب شديد﴾ شبه ما يحصل للنفس من ضيق العذاب وألمه بالمشدود الموثق المضيق عليه.
وفي قوله :﴿يصوركم﴾ شبه أمره بقوله : كن أو تعلق إرادته بكونه جاء على غاية من الإحكام والصنع بمصوّر يمثل شيئاً، فيضم جرماً إلى جرم، ويصوّر منه صورة.
وفي قوله :﴿منه آيات محكمات﴾ جعل ما اتضح من معاني كتابه، وظهرت آثار الحكمة عليه محكماً، وشبه المحكم لما فيه من أصول المعاني التي تتفرّع منها فروع متعدّدة ترجع إليها بالأم التي يرجع إليها ما تفرّع من نسلها ويؤمونها، وشبه ما خفيت معانيه لاختلاف أنحائه كالفواتح، والألفاظ المحتملة معاني شتى، والأيات الدالة على أمر المعاد والحساب بالشيء المشتبه الملبس أمره الذي وجم العقل عن تكييفه.
وفي قوله :﴿في قلوبهم زيغ﴾ شبه القلب المائل عن القصد بالشيء الزائغ عن مكانه.
وفي قوله :﴿وهب لنا من لدنك رحمة﴾ شبه المعقول من الرحمة عن إرادة الخير، بالمحسوس من الأجرام من العوض والمعوض في الهبة.
وفي قوله :﴿وقود النار﴾ شبهم بالحطب الذي لا ينتفع به إلاَّ في الوقود.
وقال تعالى :﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ والحصب الحطب بلغة الحبشة.
وفي قوله :﴿فأخذهم الله بذنوبهم﴾ شبه إحاطة عذابه بهم بالمأخوذ باليد المتصرف فيه بحكم إرادة الأخذ.
وقيل : هذه كلها استعارات، ولا تشبيه فيها إلاَّ ﴿كدأب آل فرعون﴾ فإنه صرح فيه بذكر أداة التشبيه.
والاختصاص في مواضع، منها في قوله :﴿نزل عليك الكتاب﴾ إلى ﴿وأنزل الفرقان﴾ على من فسره بالزبور، واختص الأربعة دون بقية ما أنزل، لأن أصحاب الكتب إذ ذاك : المؤمنون، واليهود، والنصارى.
وفي قوله :﴿لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء﴾ خصَّهما لأنهما أكبر مخلوقاته الظاهرة لنا، ولأنهما محلان للعقلاء، ولأن منهما أكثر المنافع المختصة بعباده.
وفي قوله :﴿والراسخون﴾ اختصهم بخصوصية الرسوخ في العلم بهم ؛ وفي قوله :﴿أولوا الألباب﴾ لأن العقلاء لهم خصوصية التمييز، والنظر، والاعتيار.
وفي قوله :﴿لا تزغ قلوبنا﴾ اختص القلوب لأن بها صلاح الجسد وفساده، وليس كذلك بقية الأعضاء، ولأنها محل الإيمان ومحل العقل على قول من يقول ذلك.
وفي قوله :﴿إنك جامع الناس ليوم﴾ هو جامعهم في الدنيا على وجه الأرض أحياءً وفي بطنها أمواتاً، لأن في ذلك اليوم الجمع الأكبر، وهو الحشر، ولا يكون إلاَّ في ذلك اليوم، ولا جامع إلاَّ هو تعالى.
وفي قوله :﴿إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم﴾ اختص الكفار لأن المؤمنين تغني عنهم أموالهم التي ينفقونها في وجوه البر، فهم يجنون ثمرتها في الآخرة، وتنفعهم أولادهم في الآخرة، يسقونهم ويكونون لهم حجاباً من النار، ويشفعون فيهم إذا ماتوا صغاراً، وينفعونهم بالدعاء الصالح كباراً.
وكل هذا ورد به الحديث الصحيح.
وفي قوله :﴿كدأب آل فرعون﴾ خصهم بالذكر، وقدمهم لأنهم أكثر الأمم طغياناً، وأعظمهم تعنتاً على أنبيائهم، فكانوا أشد الناس عذاباً.
والحذف في مواضع، في قوله :﴿لما بين يديه﴾ أي : من الكتب و ﴿أنزل التوراة والإنجيل﴾ أي : وأنزل الإنجيل، لأن الإنزالين في زمانين ﴿هدى للناس﴾ أي : الدين أراد هداهم :﴿عذاب شديد﴾، أي يوم القيامة،.
﴿ذو انتقام﴾ أي ممن أراد عقوبته ﴿في الأرض ولا في السماء﴾ أي ولا في غيرهما ﴿العزيز﴾ أي : في ملكه.
﴿الحكيم﴾ أي في صنعه ﴿وأخر﴾ أي : آيات أُخر ﴿زيغ﴾ أي عن الحق ﴿إبتغاء الفتنة﴾ أي : لكم ﴿وابتغاء تأويله﴾ أي : على غير الوجه المراد منه ﴿وما يعلم تأويله﴾ أي : على الحقيقة المطلوبة ﴿ربنا﴾ أي يا ربنا ﴿لا تزغ قلوبنا﴾ أي : عن الحق ﴿بعد إذ هديتنا﴾ أي : إليه ﴿كذبوا بآياتنا﴾ أي : المنزلة على الرسل، أو المنصوبات علماً على التوحيد ﴿بذنوبهم﴾ أي السالفة.
والتكرار : نزل عليك الكتاب، وأنزل التوراة، وأنزل الفرقان.
كرر لاختلاف الإنزال، وكيفيته، وزمانه، بآيات الله، والله كرر اسمه تعالى تفخيماً، لأن في ذكر المظهر من التفخيم ما ليس في المضمر.
لا إله إلاَّ هو الحي القيوم، لا إله إلا هو العزيز.
كرر الجملة تنبيهاً على استقرار ذلك في النفوس، ورداً على من زعم أن معه إلهاً غيره.
ابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله.
كرر لاختلاف التأويلين، أو للتفخيم لشأن التأويل.
ربنا لا تزغ، ربنا إنك.
كرر الدعاء تنبيهاً على ملازمته، وتحذيراً من الغفلة عنه لما فيه من إظهار الافتقار.
والتقديم والتأخير، وذلك في ذكر إنزال الكتب، لم يجيء الإخبار عن ذلك على حسب الزمان، إذ التوراة أولاً، ثم الزبور، ثم الإنجيل، ثم القرآن.
وقدم القرآن لشرفه، وعظم ثوابه ونسخه لما تقدم، وبقائه، واستمرار حكمه إلى آخر الزمان.
وثنى بالتوراة لما فيها من الأحكام الكثيرة، والقصص، وخفايا الاستنباط.
وروى : أن التوراة حين نزلت كانت سبعين وسقاً، ثم ثلث بالإنجيل، لأنه كتاب فيه من المواعظ والحكم ما لا يحصى، ثم تلاه بالزبور لأن فيه مواعظ وحكما لم تبلغ مبلغ الإنجيل، وهذا إذا قلنا إن الفرقان هو الزبور.
وفي قوله :﴿في الأرض ولا في السماء﴾ قدم الأرض على السماء وإن كانت السماء أكثر في العوالم، وأكبر في الأجرام، وأكبر في الدلائل والآيات، وأجزل في الفضائل لطهارة سكانها، بخلاف سكان الأرض، ليعلمهم، إطلاعه على خفايا أمورهم، فاهتم بتقديم محلهم عسى أن يزدجروا عن قبيح أفعالهم، لأنه إذا أنبه على أن الله لا يخفى عليه شيء من أمره، استحيا منه.
والالتفات ﴿ربنا إنك جامع﴾ ثم قال ﴿إن الله﴾ وفي قوله :﴿كذبوا بآياتنا﴾ ثم قال ﴿والله شديد العقاب﴾.
والتأكيد :﴿وأولئك هم وقود النار﴾ فاكد بلفظة : هم، وأكد بقوله :﴿هو الذي يصوركم﴾ قوله ﴿لا إله إلا هو﴾ وأكد بقوله ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب﴾ قوله ﴿نزل عليك الكتاب﴾.
والتوسع بإقامة المصدر مقام اسم الفاعل في قوله : هدى، والفرقان، أي : هادياً، والفارق.
وبإقامة الحرف مقام الظرف في قوله : من الله، أي : عند الله، على قول من أوَّل : من، بمعنى : عند.
والتجنيس المغاير في قوله : وهب، والوهاب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى