اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه :
الأول : أن المرادَ منه : الجواب عن شبهةٍ أخْرَى من شُبَهِ اليهود في إنكار نبوة محمد ﷺ، وذلك لأنه ﷺ لمَّا حُوِّل إلى الكعبةِ، طَعَنَ اليهودُ في نبوَّتِهِ، وقالوا : إنَّ بيتَ المقدس أفضل من الكعبة وأحق بالاستقبال ؛ لأنه وُضِع قبل الكعبة، وهو أرضُ المحشَر، وقبلةُ جُملة الأنبياء، وإذا كان كذلك فتحويل القبلةِ منه إلى الكعبة باطل، وأجابهم الله بقوله :﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ هو الكعبة، فكان جَعْلُه قِبْلَةً أوْلَى.
الثاني : أن المقصود من الآيةِ المتقدمةِ بيان النسخ، هل يجوز أم لا ؟ واستدلَّ - عليه السلام - على جوازه، بأن الأطعمة كانت مُباحةً لبني إسرائيلَ، ثم إن الله تعالى حرَّم بعضَها، والقوم نازعوه فيه، وأعظم الأمور التي أظهر رسول الله ﷺ نسخه هو القبلة، فذكر الله - في هذه الآيات - بيان ما لأجله حُوِّلَت القبلة إلى الكعبة، وهو كَوْنُ الكعبة أفضلَ من غيرها.
الثالث : أنه - تعالى - لما قال في الآية المتقدمةِ :﴿فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٥]، وكان من أعظم شعائر ملة إبراهيمَ الحَجُّ - ذكر في هذه الآية فضل البيت ؛ ليُفَرِّعَ عليه إيجابَ الحَجِّ.
الرابع : أنه لما تقدَّم مناظرة اليهود والنصارى، وزعموا أنهم على ملة إبراهيم، فبيّن الله كذبهم في هذه الآية من حيث إن حَجَّ الكعبةِ كان ملةَ إبراهيمَ، وهم لا يَحُجُّون، فدل ذلك على كذِبهم.
قوله :﴿وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ هذه الجملة في موضع خفض ؛ صفة ل " بَيْتٍ ".
وقرأ العامة " وُضِعَ " مبنيًّا للمفعول. وعكرمة وابن السميفع " وضَعَ " مبنيًّا للفاعل(١).
وفي فاعله قولان :
أحدهما :- وهو الأظهر - أنه ضمير إبراهيم ؛ لتقدُّم ذِكْرِه ؛ ولأنه مشهور بعمارته.
والثاني : أنه ضمير الباري تعالى، و " لِلنَّاسٍ " متعلق بالفعل قبله، واللام فيه للعلة.
و " للذي " بِبَكَّة " خبر " إنَّ " وأخبر - هنا - بالمعرفة - وهو الموصول - عن النكرة - وهو " أول بَيْتٍ " - لتخصيص النكرة بشيئين : الإضافة، والوصف بالجملة بعده، وهو جائز في باب " إن "، ومن عبارة سيبويه : إن قريباً منك زيدٌ، لما تخصص " قريباً " بوصفه بالجار بعده ساغ ما ذكرناه، وزاده حُسْناً - هنا - كونه اسماً ل " إنَّ "، وقد جاءت النكرة اسماً ل " إنَّ " - وإن لم يكن تخصيص - كقوله :[ الطويل ]
وببكة صلة، و الباء فيه ظرفية، أي : في مكة.
وبكة فيها أربعة أوجه :
أحدها : أنها مرادفة ل " مكة " فأبدلت ميمها باءً، قالوا : والعرب تُعَاقِب بين الباء والميم في مواضع، قالوا : هذا على ضربة لازم، ولازب، وهذا أمر راتب، وراتم، والنبيط والنميط وسبد رأسه وسمَدَها، وأغبطت الحمى، وأغمطت.
وقيل : إنها اسم لبطن مكة، ومكة اسم لكل البلد.
وقيل : إنها اسم لمكان البيت.
وقيل : إنها اسم للمسجد نفسه، وأيدوا هذا بأن التباكّ وهو : الازدحام إنما يحصل عند الطواف، يقال : تباكَّ الناسُ - أي : ازْدَحموا، ويُفْسِد هذا القولَ أن يكون الشيء ظرفاً لنفسه، كذا قال بعضهم، وهو فاسد، لأن البيت في المسجد حقيقةً.
وقال الأكثرون : بكة : اسم للمسجد والمطاف، ومكة : اسم البلد، لقوله تعالى :﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ فدل على أن البيت مظروف في بكة، فلو كان بكة اسماً للبيت لبطل كون بكةَ ظرفاً له.
وسميت بكة ؛ لازدحام الناس، قاله مجاهد وقتادة(٣)، وهو قول محمد بن علي الباقر.
وقال بعضهم : رأيت محمد بن علي الباقر يصلي، فمرت امرأة بين يديه، فذهبت أدْفَعها، فقال : دعها، فإنها سُمِّيَتْ بكةَ، لأنه يبكُّ بعضُهم بعضاً، تمر المرأة بين يدي الرجل وهو يصلي، والرجل بين يدي المرأة وهي تصلي، ولا بأس بذلك هنا(٤).
وقيل : لأنها تبكُّ أعناق الجبابرة - أي : تدقها.
قال قطرب : تقول العرب : بَكَكْتهُ، أبُكُّهُ، بَكًّا، إذا وضعت منه.
وسميت مكة - من قولهم : مَكَكْتُ المخ من العظم، إذا استقصيته ولم تترك فيه شيئاً.
ومنه : مَكَّ الفصيل ما في ضَرْعِ أمِّه - إذا لم يترك فيه لبناً، ورُويَ أنه قال :" لا تُمَكِّكُوا عَلَى غُرَمَائِكُمْ(٥) ".
وقيل : لأنها تَمُكُّ الذنوبَ، أي : تُزيلها كلَّها.
قال ابن الأنباري : وسُمِّيَتْ مكة لِقلَّةِ مائِها وزرعها، وقلة خِصْبها، فهي مأخوذة من مكَكْت العَظْم، إذا لم تترك فيه شيئاً.
وقيل : لأن مَنْ ظَلَم فيها مَكَّهُ اللهُ، أي : استقصاه بالهلاك.
وقيل : سُمِّيت بذلك ؛ لاجتلابها الناسَ من كل جانب من الأرض، كما يقال : امتكّ الفصيلُ - إذا استقصى ما في الضَّرْع.
وقال الخليل : لأنها وسط الأرض كالمخ وسط العظم.
وقيل : لأن العيونَ والمياه تنبع من تحت مكة، فالأرض كلها تمك من ماء مكة، والمكوك : كأس يشرب به، ويُكال به - ك " الصُّوَاع ".
قال القفال : لها أسماء كثيرة، مكة، وبكة، وأمّ رُحْم، - بضم الراء وإسكان الحاء - قال مجاهد : لأن الناس يتراحمون فيها، ويتوادَعُون - والباسَّة ؛ قال الماوَرْدِي : لأنها تبس من ألْحَد فيها، أي : تُحَطِّمه وتُهْلكه، قال تعالى :﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً﴾ [الواقعة: ٥].
ويروى : الناسَّة - بالنون - قال صاحبُ المطالع : ويقال : الناسَّة - بالنون -. قال الماوَرْدِيُّ : لأنها تنس من ألحد فيها - أي : تطرده وتَنْفِيه.
ونقل الجوهري - عن الأصمعي - : النَّسّ : اليبس، يُقال : جاءنا بخُبْزَة ناسَّة، ومنه قيل لمكةَ : الناسَّة ؛ لقلة مائها. والرأس، والعرش، والقادس، و المقدَّسة - من التقديس - وصَلاَحِ - بفتح الصاد وكسر الحاء - مبنيًّا على الكسر كقَطَامِ وحَذَامِ، والبلد، والحاطمة ؛ لأنها تحطم من استخَفَّ بها، وأم القرى ؛ لأنها أصل كل بلدة، ومنها دحيت الأرض، ولهذا المعنى تُزَار من جميع نواحي الأرض.
الأوَّلُ : هو الفرد السابق، فإذا قال : أوَّلُ عبد أشتريه فهو حُرّ، فلو اشترى عبدَيْن في المرة الأولى لم يُعْتَقْ واحدٌ منهما ؛ لأن الأول هو الفرد، ثم لو اشترى بعد ذلك ما شاء لم يعتق ؛ لأن شرط الأوَّليَّة قد عُدِمَ.
إذا عُرِفَ هذا، فقوله :﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ لا يدل على أنه أوَّلُ بَيْتٍ خلقه الله تعالى، ولا أنه أول بيت ظهر في الأرض، بل يدل على أنه أول بيت وُضِعَ للناس، فكونه موضوعاً للناس يقتضي كونه مشتركاً فيه بين جميع الناس، وكونه مشتركاً فيه بين كل الناس، لا يحصل إلا إذا كان البيت موضعاً للطاعات، وقِبْلَةً للخلق، فدلَّت الآية على أن هذا البيت وَضَعه الله - تعالى - للطاعات والعبادات، فيدخل فيه كونه قِبْلَةً للصلوات، وموضِعاً للحجِّ.
فإن قيل : كونه أولاً في هذا الوَصْف يقتضي أن يكون له ثانٍ، فهذا يقتضي أن يكون بيتُ المقدس يشاركه في هذا الصفات، التي منها وجوبُ حَجِّه، ومعلوم أنه ليس كذلك.
فالجواب من وجهين :
الأول : أن لفظ " الأوًّل " - في اللغة - اسم للشيء الذي يُوجَد ابتداءً، سواء حصل بعده شيء آخرُ، أو لم يحصل، يقال : هذا أول قدومي مكة، وهذا أول مال أصَبْتُه، ولو قال : أول عبدٍ أملكه فهو حُرٌّ، فملك عبداً عُتِق - وإن لم يملك بعده آخر - فكذا هنا.
الثاني : أن المراد منه : أول بيت وُضِع لطاعات الناس وعباداتهم، وبيت المقدس يُشاركه في كونه موضوعاً للطاعاتِ والعباداتِ، لقوله ﷺ :" لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلاَّ لِثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ : المَسْجِد الْحَرَامِ، والمسْجِدِ الأقْصَى، ومَسْجِدِي هَذَا "، وهذا القدر يكفي في صدق كَوْنِ الكعبةِ أول بيتٍ وضع للناس، فأما أن يكون بيتُ المقدسِ مشاركاً له في جميع الأمور، حتى في وجوبِ الحَجِّ، فهذا غير لازم.
قوله تعالى :﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ﴾ يحتمل أن يكون المراد : أنه أول في الموضع والبناء، وأن يكون أولاً في كونه مباركاً وهُدًى، وفيه قولان للمفسرين.
فعلى الأول فيه أقوال :
أحدها : روى الواحدي في البسيط عن مجاهد أنه قال : خلق الله البيت قبل أن يخلقَ شيئاً من الأرضين.
وفي رواية :" خَلَقَ اللهُ مَوْضِعَ هَذَا البَيْتِ قَبْلَ أنْ يَخْلُق شَيْئاً مِنَ الأرضِينَ بِألْفي سَنَةٍ، وَإنَّ قَوَاعِدَه لَفِي الأرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى ".
وروى النووي - في مناسكه - عن الأزْرَقِي - في كتاب مكة - عن مجاهد قال : إن هذا البيتَ أحد أربعة عشر بيتاً، في كل سماء بيتٌ، وفي كل أرض بيت، بعضهن مقابل بعض.
وروى أيضاً عن علي بن الحُسَيْن بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - عن النبي ﷺ - عن الله - تعالى - قال :" إنَّ اللهَ بَعَثَ مَلاَئكةً، فَقَالَ : ابْنُوا لِي فِي الأرْضِ بَيْتاً عَلَى مِثَالِ البَيْتِ المَعْمُورِ، فبنوا له بيتاً على مثالِه، واسْمُه الضُّرَاح، وَأمَرَ اللهُ مَنْ فِي الأرْضِ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ - الَّذِينَ هُمْ سُكَّانُ الأرْضِ - أنْ يَطُوفُوا بِهِ كَمَا يَطُوفُ أهْلُ السَّمَاءِ بِالْبَيْتِ المَعْمُورِ وَهَذَا كَانَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ بِألفَيْ عَامٍ وَكَانُوا يَحُجُّونَهُ، فَلَمَّا حَجَّه آدَمُ، قَالَتِ المَلاَئِكَةُ : بَرَّ حَجُّك، حَجَجْنَا هَذَا البَيْتَ قَبْلَكَ بِألْفَي عَامٍ(٦) "، ورُوِي عن عبد الله بن عمر ومجاهد و السُّدِّيّ : أنه أول بيت وُضِعَ على وجه الماء، عند خلق الأرض والسماء، وقد خلقه الله قبل خلق الأرض بألفي عام، وكان زَبَدَةً بيضاء على الماء، ثم دُحِيَت الأرض من تحته(٧).
قال القفال في تفسيره : روى حَبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس، قال، وُجِدَ في كتاب - في المقام، أو تحت المقام - أنا الله، ذو بكَّةَ، وضعتُها يومَ وضعتُ الشمسَ والقمرَ، وحرَّمْتُها يوم وَضَعْتُ هذين الحجرَيْن وحفَفْتُها بسبعة أملاك حُنَفَاء (٨).
روي : أن آدم لما أهْبِط إلى الأرض شكا الوحشةَ، فأمره الله - تعالى - ببناء الكعبةِ، وطاف بها وبقي ذلك إلى زمان نوح ﷺ فَلَمَّا أرسلَ اللهُ الطوفانَ، رفع البيت إلى السماء السابعة - حيال الكعبة - تتعبد عنده الملائكة، يدخله كلَّ يوم سبعون ألف مَلَك، سوى مَنْ دخل قبلُ فيه، ثم بعد الطوفان اندرس موضعُ الكعبةِ، وبقي مُخْتَفِياً إلى أن بعث الله جبريلَ إلى إبراهيم، ودلَّه على مكان البيت، وأمره بعمارته.
قال القاضي : القول بأنه رُفِع - زمانَ الطوفان - إلى السماء بعيد ؛ لأن موضِعَ التشريف هو تلك الجهة المعينة، والجهة لا يمكن رفعها إلى السماء، ألا ترى أن الكعبة لو انهدمت - والعياذ بالله - ونُقِلت الحجارة بعد الانهدام، ويجب على كل مسلم أن يُصَلِّيَ إلى تلك الجهةِ بعينها، وإذا كان كذلك، فلا فائدة في رفع تلك الجدرانِ إلى السماء.
انتهى.
فدلت هذه الأقوال المتقدمة على أن الكعبة، كانت موجودةً في زمان آ
الأول : أن المرادَ منه : الجواب عن شبهةٍ أخْرَى من شُبَهِ اليهود في إنكار نبوة محمد ﷺ، وذلك لأنه ﷺ لمَّا حُوِّل إلى الكعبةِ، طَعَنَ اليهودُ في نبوَّتِهِ، وقالوا : إنَّ بيتَ المقدس أفضل من الكعبة وأحق بالاستقبال ؛ لأنه وُضِع قبل الكعبة، وهو أرضُ المحشَر، وقبلةُ جُملة الأنبياء، وإذا كان كذلك فتحويل القبلةِ منه إلى الكعبة باطل، وأجابهم الله بقوله :﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ هو الكعبة، فكان جَعْلُه قِبْلَةً أوْلَى.
الثاني : أن المقصود من الآيةِ المتقدمةِ بيان النسخ، هل يجوز أم لا ؟ واستدلَّ - عليه السلام - على جوازه، بأن الأطعمة كانت مُباحةً لبني إسرائيلَ، ثم إن الله تعالى حرَّم بعضَها، والقوم نازعوه فيه، وأعظم الأمور التي أظهر رسول الله ﷺ نسخه هو القبلة، فذكر الله - في هذه الآيات - بيان ما لأجله حُوِّلَت القبلة إلى الكعبة، وهو كَوْنُ الكعبة أفضلَ من غيرها.
الثالث : أنه - تعالى - لما قال في الآية المتقدمةِ :﴿فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٥]، وكان من أعظم شعائر ملة إبراهيمَ الحَجُّ - ذكر في هذه الآية فضل البيت ؛ ليُفَرِّعَ عليه إيجابَ الحَجِّ.
الرابع : أنه لما تقدَّم مناظرة اليهود والنصارى، وزعموا أنهم على ملة إبراهيم، فبيّن الله كذبهم في هذه الآية من حيث إن حَجَّ الكعبةِ كان ملةَ إبراهيمَ، وهم لا يَحُجُّون، فدل ذلك على كذِبهم.
قوله :﴿وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ هذه الجملة في موضع خفض ؛ صفة ل " بَيْتٍ ".
وقرأ العامة " وُضِعَ " مبنيًّا للمفعول. وعكرمة وابن السميفع " وضَعَ " مبنيًّا للفاعل(١).
وفي فاعله قولان :
أحدهما :- وهو الأظهر - أنه ضمير إبراهيم ؛ لتقدُّم ذِكْرِه ؛ ولأنه مشهور بعمارته.
والثاني : أنه ضمير الباري تعالى، و " لِلنَّاسٍ " متعلق بالفعل قبله، واللام فيه للعلة.
و " للذي " بِبَكَّة " خبر " إنَّ " وأخبر - هنا - بالمعرفة - وهو الموصول - عن النكرة - وهو " أول بَيْتٍ " - لتخصيص النكرة بشيئين : الإضافة، والوصف بالجملة بعده، وهو جائز في باب " إن "، ومن عبارة سيبويه : إن قريباً منك زيدٌ، لما تخصص " قريباً " بوصفه بالجار بعده ساغ ما ذكرناه، وزاده حُسْناً - هنا - كونه اسماً ل " إنَّ "، وقد جاءت النكرة اسماً ل " إنَّ " - وإن لم يكن تخصيص - كقوله :[ الطويل ]
| وَإنَّ حَرَاماً أن أسُبَّ مُجَاشِعاً | بِآبَائِيَ الشُّمِّ الْكِرَامِ الخَضَارِمِ(٢) |
وبكة فيها أربعة أوجه :
أحدها : أنها مرادفة ل " مكة " فأبدلت ميمها باءً، قالوا : والعرب تُعَاقِب بين الباء والميم في مواضع، قالوا : هذا على ضربة لازم، ولازب، وهذا أمر راتب، وراتم، والنبيط والنميط وسبد رأسه وسمَدَها، وأغبطت الحمى، وأغمطت.
وقيل : إنها اسم لبطن مكة، ومكة اسم لكل البلد.
وقيل : إنها اسم لمكان البيت.
وقيل : إنها اسم للمسجد نفسه، وأيدوا هذا بأن التباكّ وهو : الازدحام إنما يحصل عند الطواف، يقال : تباكَّ الناسُ - أي : ازْدَحموا، ويُفْسِد هذا القولَ أن يكون الشيء ظرفاً لنفسه، كذا قال بعضهم، وهو فاسد، لأن البيت في المسجد حقيقةً.
وقال الأكثرون : بكة : اسم للمسجد والمطاف، ومكة : اسم البلد، لقوله تعالى :﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ فدل على أن البيت مظروف في بكة، فلو كان بكة اسماً للبيت لبطل كون بكةَ ظرفاً له.
وسميت بكة ؛ لازدحام الناس، قاله مجاهد وقتادة(٣)، وهو قول محمد بن علي الباقر.
وقال بعضهم : رأيت محمد بن علي الباقر يصلي، فمرت امرأة بين يديه، فذهبت أدْفَعها، فقال : دعها، فإنها سُمِّيَتْ بكةَ، لأنه يبكُّ بعضُهم بعضاً، تمر المرأة بين يدي الرجل وهو يصلي، والرجل بين يدي المرأة وهي تصلي، ولا بأس بذلك هنا(٤).
وقيل : لأنها تبكُّ أعناق الجبابرة - أي : تدقها.
قال قطرب : تقول العرب : بَكَكْتهُ، أبُكُّهُ، بَكًّا، إذا وضعت منه.
وسميت مكة - من قولهم : مَكَكْتُ المخ من العظم، إذا استقصيته ولم تترك فيه شيئاً.
ومنه : مَكَّ الفصيل ما في ضَرْعِ أمِّه - إذا لم يترك فيه لبناً، ورُويَ أنه قال :" لا تُمَكِّكُوا عَلَى غُرَمَائِكُمْ(٥) ".
وقيل : لأنها تَمُكُّ الذنوبَ، أي : تُزيلها كلَّها.
قال ابن الأنباري : وسُمِّيَتْ مكة لِقلَّةِ مائِها وزرعها، وقلة خِصْبها، فهي مأخوذة من مكَكْت العَظْم، إذا لم تترك فيه شيئاً.
وقيل : لأن مَنْ ظَلَم فيها مَكَّهُ اللهُ، أي : استقصاه بالهلاك.
وقيل : سُمِّيت بذلك ؛ لاجتلابها الناسَ من كل جانب من الأرض، كما يقال : امتكّ الفصيلُ - إذا استقصى ما في الضَّرْع.
وقال الخليل : لأنها وسط الأرض كالمخ وسط العظم.
وقيل : لأن العيونَ والمياه تنبع من تحت مكة، فالأرض كلها تمك من ماء مكة، والمكوك : كأس يشرب به، ويُكال به - ك " الصُّوَاع ".
قال القفال : لها أسماء كثيرة، مكة، وبكة، وأمّ رُحْم، - بضم الراء وإسكان الحاء - قال مجاهد : لأن الناس يتراحمون فيها، ويتوادَعُون - والباسَّة ؛ قال الماوَرْدِي : لأنها تبس من ألْحَد فيها، أي : تُحَطِّمه وتُهْلكه، قال تعالى :﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً﴾ [الواقعة: ٥].
ويروى : الناسَّة - بالنون - قال صاحبُ المطالع : ويقال : الناسَّة - بالنون -. قال الماوَرْدِيُّ : لأنها تنس من ألحد فيها - أي : تطرده وتَنْفِيه.
ونقل الجوهري - عن الأصمعي - : النَّسّ : اليبس، يُقال : جاءنا بخُبْزَة ناسَّة، ومنه قيل لمكةَ : الناسَّة ؛ لقلة مائها. والرأس، والعرش، والقادس، و المقدَّسة - من التقديس - وصَلاَحِ - بفتح الصاد وكسر الحاء - مبنيًّا على الكسر كقَطَامِ وحَذَامِ، والبلد، والحاطمة ؛ لأنها تحطم من استخَفَّ بها، وأم القرى ؛ لأنها أصل كل بلدة، ومنها دحيت الأرض، ولهذا المعنى تُزَار من جميع نواحي الأرض.
فصل
الأوَّلُ : هو الفرد السابق، فإذا قال : أوَّلُ عبد أشتريه فهو حُرّ، فلو اشترى عبدَيْن في المرة الأولى لم يُعْتَقْ واحدٌ منهما ؛ لأن الأول هو الفرد، ثم لو اشترى بعد ذلك ما شاء لم يعتق ؛ لأن شرط الأوَّليَّة قد عُدِمَ.
إذا عُرِفَ هذا، فقوله :﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ لا يدل على أنه أوَّلُ بَيْتٍ خلقه الله تعالى، ولا أنه أول بيت ظهر في الأرض، بل يدل على أنه أول بيت وُضِعَ للناس، فكونه موضوعاً للناس يقتضي كونه مشتركاً فيه بين جميع الناس، وكونه مشتركاً فيه بين كل الناس، لا يحصل إلا إذا كان البيت موضعاً للطاعات، وقِبْلَةً للخلق، فدلَّت الآية على أن هذا البيت وَضَعه الله - تعالى - للطاعات والعبادات، فيدخل فيه كونه قِبْلَةً للصلوات، وموضِعاً للحجِّ.
فإن قيل : كونه أولاً في هذا الوَصْف يقتضي أن يكون له ثانٍ، فهذا يقتضي أن يكون بيتُ المقدس يشاركه في هذا الصفات، التي منها وجوبُ حَجِّه، ومعلوم أنه ليس كذلك.
فالجواب من وجهين :
الأول : أن لفظ " الأوًّل " - في اللغة - اسم للشيء الذي يُوجَد ابتداءً، سواء حصل بعده شيء آخرُ، أو لم يحصل، يقال : هذا أول قدومي مكة، وهذا أول مال أصَبْتُه، ولو قال : أول عبدٍ أملكه فهو حُرٌّ، فملك عبداً عُتِق - وإن لم يملك بعده آخر - فكذا هنا.
الثاني : أن المراد منه : أول بيت وُضِع لطاعات الناس وعباداتهم، وبيت المقدس يُشاركه في كونه موضوعاً للطاعاتِ والعباداتِ، لقوله ﷺ :" لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلاَّ لِثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ : المَسْجِد الْحَرَامِ، والمسْجِدِ الأقْصَى، ومَسْجِدِي هَذَا "، وهذا القدر يكفي في صدق كَوْنِ الكعبةِ أول بيتٍ وضع للناس، فأما أن يكون بيتُ المقدسِ مشاركاً له في جميع الأمور، حتى في وجوبِ الحَجِّ، فهذا غير لازم.
فصل
قوله تعالى :﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ﴾ يحتمل أن يكون المراد : أنه أول في الموضع والبناء، وأن يكون أولاً في كونه مباركاً وهُدًى، وفيه قولان للمفسرين.
فعلى الأول فيه أقوال :
أحدها : روى الواحدي في البسيط عن مجاهد أنه قال : خلق الله البيت قبل أن يخلقَ شيئاً من الأرضين.
وفي رواية :" خَلَقَ اللهُ مَوْضِعَ هَذَا البَيْتِ قَبْلَ أنْ يَخْلُق شَيْئاً مِنَ الأرضِينَ بِألْفي سَنَةٍ، وَإنَّ قَوَاعِدَه لَفِي الأرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى ".
وروى النووي - في مناسكه - عن الأزْرَقِي - في كتاب مكة - عن مجاهد قال : إن هذا البيتَ أحد أربعة عشر بيتاً، في كل سماء بيتٌ، وفي كل أرض بيت، بعضهن مقابل بعض.
وروى أيضاً عن علي بن الحُسَيْن بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - عن النبي ﷺ - عن الله - تعالى - قال :" إنَّ اللهَ بَعَثَ مَلاَئكةً، فَقَالَ : ابْنُوا لِي فِي الأرْضِ بَيْتاً عَلَى مِثَالِ البَيْتِ المَعْمُورِ، فبنوا له بيتاً على مثالِه، واسْمُه الضُّرَاح، وَأمَرَ اللهُ مَنْ فِي الأرْضِ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ - الَّذِينَ هُمْ سُكَّانُ الأرْضِ - أنْ يَطُوفُوا بِهِ كَمَا يَطُوفُ أهْلُ السَّمَاءِ بِالْبَيْتِ المَعْمُورِ وَهَذَا كَانَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ بِألفَيْ عَامٍ وَكَانُوا يَحُجُّونَهُ، فَلَمَّا حَجَّه آدَمُ، قَالَتِ المَلاَئِكَةُ : بَرَّ حَجُّك، حَجَجْنَا هَذَا البَيْتَ قَبْلَكَ بِألْفَي عَامٍ(٦) "، ورُوِي عن عبد الله بن عمر ومجاهد و السُّدِّيّ : أنه أول بيت وُضِعَ على وجه الماء، عند خلق الأرض والسماء، وقد خلقه الله قبل خلق الأرض بألفي عام، وكان زَبَدَةً بيضاء على الماء، ثم دُحِيَت الأرض من تحته(٧).
قال القفال في تفسيره : روى حَبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس، قال، وُجِدَ في كتاب - في المقام، أو تحت المقام - أنا الله، ذو بكَّةَ، وضعتُها يومَ وضعتُ الشمسَ والقمرَ، وحرَّمْتُها يوم وَضَعْتُ هذين الحجرَيْن وحفَفْتُها بسبعة أملاك حُنَفَاء (٨).
روي : أن آدم لما أهْبِط إلى الأرض شكا الوحشةَ، فأمره الله - تعالى - ببناء الكعبةِ، وطاف بها وبقي ذلك إلى زمان نوح ﷺ فَلَمَّا أرسلَ اللهُ الطوفانَ، رفع البيت إلى السماء السابعة - حيال الكعبة - تتعبد عنده الملائكة، يدخله كلَّ يوم سبعون ألف مَلَك، سوى مَنْ دخل قبلُ فيه، ثم بعد الطوفان اندرس موضعُ الكعبةِ، وبقي مُخْتَفِياً إلى أن بعث الله جبريلَ إلى إبراهيم، ودلَّه على مكان البيت، وأمره بعمارته.
قال القاضي : القول بأنه رُفِع - زمانَ الطوفان - إلى السماء بعيد ؛ لأن موضِعَ التشريف هو تلك الجهة المعينة، والجهة لا يمكن رفعها إلى السماء، ألا ترى أن الكعبة لو انهدمت - والعياذ بالله - ونُقِلت الحجارة بعد الانهدام، ويجب على كل مسلم أن يُصَلِّيَ إلى تلك الجهةِ بعينها، وإذا كان كذلك، فلا فائدة في رفع تلك الجدرانِ إلى السماء.
انتهى.
فدلت هذه الأقوال المتقدمة على أن الكعبة، كانت موجودةً في زمان آ
١ انظر: البحر المحيط ٣/٧، والدر المصون ٢/١٦٨..
٢ البيت للفرزدق ينظر ديوانه ٢/٣٠٠، وخزانة الأدب ٩/٢٨٥، والدرر ٢/٧٤، وشرح أبيات سيبويه ١/١٩١، والمقتضب ٤/٧٤، وهمع الهوامع ١/١١٩، والدر المصون ٢/١٦٨..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٢٤) عن قتادة..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٢٤) عن أبي جعفر دون ذكر محمد بن علي الباقر..
٥ ذكره ابن الأثير في النهاية ٤/٣٤٩..
٦ ذكره الرازي في "التفسير الكبير" (٨/١٢٥) عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٢٠) عن عبد الله بن عمرو والبيهقي في "شعب الإيمان" (٣٩٨٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٩٣) وزاد نسبته لابن المنذر والطبراني.
وأخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٢١- ٢٢) عن مجاهد والسدي مثله..
٨ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٩٤) وعزاه للأزرقي في "تاريخ مكة" من طريق حبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس..
٢ البيت للفرزدق ينظر ديوانه ٢/٣٠٠، وخزانة الأدب ٩/٢٨٥، والدرر ٢/٧٤، وشرح أبيات سيبويه ١/١٩١، والمقتضب ٤/٧٤، وهمع الهوامع ١/١١٩، والدر المصون ٢/١٦٨..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٢٤) عن قتادة..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٢٤) عن أبي جعفر دون ذكر محمد بن علي الباقر..
٥ ذكره ابن الأثير في النهاية ٤/٣٤٩..
٦ ذكره الرازي في "التفسير الكبير" (٨/١٢٥) عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٢٠) عن عبد الله بن عمرو والبيهقي في "شعب الإيمان" (٣٩٨٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٩٣) وزاد نسبته لابن المنذر والطبراني.
وأخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٢١- ٢٢) عن مجاهد والسدي مثله..
٨ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٩٤) وعزاه للأزرقي في "تاريخ مكة" من طريق حبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس..