فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
هذا شروع في بيان شيء آخر مما جادلت فيه اليهود بالباطل، وذلك أنهم قالوا : إن بيت المقدس أفضل، وأعظم من الكعبة لكونه مهاجر الأنبياء، وفي الأرض المقدسة فردّ الله ذلك عليهم بقوله :﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ الآية، فقوله :﴿وُضِعَ﴾ صفة لبيت، وخبر «إن » قوله :﴿للَّذِي بِبَكَّة﴾ فنبه تعالى بكونه أول متعبد على أنه أفضل من غيره، وقد اختلف في الباني له في الابتداء، فقيل : الملائكة، وقيل : آدم، وقيل : إبراهيم، ويجمع بين ذلك بأول من بناه الملائكة، ثم جدده آدم، ثم إبراهيم. وبكة علم للبلد الحرام، وكذا مكة، وهما لغتان، وقيل : إن بكة ؛ اسم لموضع البيت، ومكة اسم للبلد الحرام ؛ وقيل : بكة للمسجد، ومكة للحرم كله ؛ قيل : سميت بكة لازدحام الناس في الطواف، يقال : بك القوم : ازدحموا. وقيل : البك : دق العنق، سميت بذلك ؛ لأنها كانت تدق أعناق الجبابرة. وأما تسميتها بمكة، فقيل : سميت بذلك لقلة ما بها ؛ وقيل : لأنها تمك المخ من العظم بما ينال ساكنها من المشقة، ومنه مككت العظم : إذا أخرجت ما فيه، ومك الفصيل ضرع أمه، وامتكه : إذا امتصه ؛ وقيل : سميت بذلك ؛ لأنها تمك من ظلم فيها، أي : تهلكه. قوله :﴿مُبَارَكاً﴾ حال من الضمير في ﴿وضع﴾ أو من متعلق الظرف ؛ لأن التقدير للذي استقر ببكة مباركاً، والبركة : كثرة الخير الحاصل لمن يستقر فيه، أو يقصده، أي : الثواب المتضاعف.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن علي بن أبي طالب في قوله :﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ﴾ الآية، قال : كانت البيوت قبله، ولكنه كان أوّل بيت وضع لعبادة الله. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن أبي ذر قال :«قلت يا رسول الله : أي مسجد وضع أوّل ؟ قال :" المسجد الحرام، " قلت : ثم أي ؟ قال :" المسجد الأقصى، " قلت : كم بينهما ؟ قال :" أربعون سنة " وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي في الشعب، عن ابن عمر، قال :«خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة، وكان إذ كان عرشه على الماء زَبْدةً بَيْضاءَ، وكانت الأرض تحته، كأنها حشفة فدحيت الأرض من تحته». وأخرج نحوه ابن المنذر، عن أبي هريرة.
وأخرج ابن المنذر، والأزرقي، عن ابن جريج قال : بلغنا أن اليهود قالت بيت المقدس أعظم من الكعبة ؛ لأنه مهاجر الأنبياء، ولأنه في الأرض المقدسة، فقال المسلمون : بل الكعبة أعظم، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فنزلت :﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ﴾ الآية إلى قوله :﴿فِيهِ آيات بينات مقَامُ إبراهيم﴾ وليس ذلك في بيت المقدس :﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ وليس ذلك في بيت المقدس :﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت﴾ وليس ذلك في بيت المقدس. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن عبد الله بن الزبير قال : إنما سميت بكة ؛ لأن الناس يجيئون إليها من كل جانب حجاجاً. وروى سعيد بن منصور، وابن جرير، والبيهقي، عن مجاهد : إنما سميت بكة ؛ لأن الناس يتباكون فيها، أي : يزدحمون.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل بن حيان، في قوله :﴿مُبَارَكاً﴾ قال : جعل فيه الخير، والبركة :﴿وَهُدىً للعالمين﴾ يعني : بالهدى قبلتهم.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس :﴿فِيهِ آيات بينات﴾ فمنهن مقام إبراهيم، والمشعر. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن الحسن في قوله :﴿فِيهِ آيات بينات﴾ قال : مقام إبراهيم :﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت﴾. وأخرج الأزرقي، عن زيد بن أسلم نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ قال : كان هذا في الجاهلية، كان الرجل لو جرَّ كل جريرة على نفسه، ثم لجأ إلى الحرم لم يتناول، ولم يطلب، فأما في الإسلام، فإنه لا يمنع من حدود الله، من سرق فيه قطع، ومن زنى فيه أقيم عليه الحدّ، ومن قتل فيه قتل. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، والأزرقي، عن عمر بن الخطاب قال : لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ قال : من عاذ بالبيت أعاذه البيت، ولكن لا يؤوى، ولا يطعم، ولا يسقى، فإذا خرج أخذ بذنبه. وقد روي عنه هذا المعنى من طرق. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عنه قال : لو وجدت قاتل أبي في الحرم لم أعرض له. وأخرج ابن جرير، عن ابن عمر قال : لو وجدت قاتل أبي في الحرم ما هِجْتهُ. وأخرج الشيخان، وغيرهما، عن أبي شريح العدوي قال : قام النبي ﷺ الغد من يوم الفتح فقال :" إن مكة حرّمها الله، ولم يحرّمها الناس، فلا يحلّ لامرئ يؤمن بالله، واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله ﷺ، فقولوا : إن الله قد أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها اليوم، كحرمتها أمس ".
وأخرج الدارقطني، والحاكم وصححه، عن أنس :«أن رسول الله ﷺ سئل عن قوله :﴿مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ فقيل : ما السبيل ؟ قال :" الزاد، والراحلة " وأخرج الشافعي، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عدي، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عمر مرفوعاً : أنه قام رجل، فقال : ما السبيل ؟ فقال :" الزاد، والراحلة ". وأخرج الدارقطني، والبيهقي في سننهما من طريق الحسن، عن أمه، عن عائشة قالت :«سئل رسول الله ﷺ ما السبيل إلى الحج ؟ قال :" لزاد، والراحلة " وأخرج الدارقطني في سننه، عن ابن مسعود مرفوعاً مثله. وأخرج الدارقطني، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه مرفوعاً مثله. وأخرج الدارقطني، عن جابر مرفوعاً مثله. وقد روى هذا الحديث من طرق أقلّ أحواله أن يكون حسناً لغيره، فلا يضره ما وقع من الكلام على بعض طرقه، كما هو معروف.
وأخرج الدارقطني، عن علي مرفوعاً في الآية :«أنه سئل النبي ﷺ، فقال :" تجد ظهر بعير " وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، عن عمر بن الخطاب في قوله :﴿مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ قال : الزاد، والراحلة، وأخرجا عن ابن عباس مثله. وأخرجه عنه مرفوعاً ابن ماجه، والطبراني، وابن مردويه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي عنه قال : السبيل أن يصح بدن العبد، ويكون له ثمن زاد، وراحلة من غير أن يجحف به. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، عنه قال :﴿سَبِيلاً﴾ من وجد إليه سعة، ولم يحل بينه، وبينه. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن عبد الله بن الزبير قال : الاستطاعة : القوّة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، عن النخعي قال : إن المحرم للمرأة من السبيل الذي قال الله. وقد ثبت عنه ﷺ النهي للمرأة أن تسافر بغير ذي محرم. واختلفت الأحاديث في قدر المدة، ففي لفظ ثلاثة أيام، وفي لفظ يوم وليلة، وفي لفظ بريد.
وقد وردت أحاديث في تشديد الوعيد على من ملك زاداً، وراحلة، ولم يحج. فأخرج الترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، عن علي بن أبي طالب قال : قال رسول الله ﷺ :" من ملك زاداً، وراحلة تبلغه إلى بيت الله، ولم يحج بيت الله، فلا عليه بأن يموت يهودياً، أو نصرانياً " وذلك بأن الله يقول :﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين﴾. وفي إسناده هلال الخراساني أبو هاشم. قال البخاري : منكر الحديث. وقيل : مجهول. وقال ابن عدي : هذا الحديث ليس بمحفوظ وفي إسناده أيضاً الحارث الأعور، وفيه ضعف. وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد في كتاب الإيمان، وأبو يعلى، والبيهقي، عن أبي أمامة قال : قال رسول الله ﷺ :" من مات، ولم يحج حجة الإسلام لم يمنعه مرض حابس، أو سلطان جائر، أو حاجة ظاهرة، فليمت على أيّ حال شاء يهودياً، أو نصرانياً " وأخرج ابن أبي شيبة، عن عبد الرحمن بن سابط مرفوعاً مرسلاً مثله.
وأخرج سعيد بن منصور. قال السيوطي بسند صحيح، عن عمر بن الخطاب قال : لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار، فلينظروا كل من كان له جدة، ولم يحج، فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين. وأخرج الإسماعيلي عنه يقول :" من أطاق الحج، ولم يحج، فسواء عليه يهودياً مات، أو نصرانياً " قال ابن كثير بعد أن ساق إسناده : وهذا إسناد صحيح. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، عنه نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن ابن عمر :«من مات، وهو موسر، ولم يحج جاء يوم القيامة، وبين عينيه مكتوب كافر». وأخرج سعيد بن منصور، عنه «من وجد إلى الحج سبيلاً سنة، ثم سنة، ثم سنة ثم مات، ولم يحج لم يصلّ عليه، ولا يدري مات يهودياً، أو نصرانياً». وأخرج سعيد بن منصور، عن عمر بن الخطاب، قال : لو ترك الناس الحج لقاتلتهم عليه، كما نقاتلهم على الصلاة، والزكاة.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عن العالمين﴾ قال : من زعم أنه ليس بفرض عليه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس في الآية قال : من كفر بالحج، فلم يرجحه براً، ولا تركه مأثماً. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في سننه، عن عكرمة قال : لما نزلت :﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٥] قالت اليهود : فنحن مسلمون، فقال لهم النبي ﷺ :" إن الله فرض على المسلمين حج البيت، " فقالوا : لم يكتب علينا، وأبوا أن يحجوا، قال الله :﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين﴾».
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن عكرمة نحوه. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن الضحاك قال :«لما نزلت آية الحج ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت﴾ الآية، جمع رسول الله ﷺ أهل الملل مشركي العرب، والنصارى، واليهود، والمجوس، والصابئين، فقال :" إن الله فرض عليكم الحج، فحجوا البيت، " فلم يقبله إلا المسلمون، وكفرت به خمس ملل، قالوا : لا نؤمن به، ولا نصلي إليه، ولا نستقبله، فأنزل الله :﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين﴾» وأخرج عبد بن حميد، والبيهقي في سننه، عن مجاهد نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن أبي داود نفيع قال :«قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت﴾ الآية، فقام رجل من هذيل فقال : يا رسول الله من تركه كفر ؟ فقال :" من تركه لا يخاف عقوبته، ومن حج لا يرجو ثوابه، فهو ذاك ".
وأخرج ابن جرير، عن عطاء بن أبي رباح في الآية قال : من كفر بالبيت. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ في قول الله :﴿وَمَن كَفَرَ﴾ قال :«من كفر بالله، واليوم الآخر». وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد مثله من قوله. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد أنه سئل عن ذلك، فقرأ :﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ إلى قوله :﴿سَبِيلاً﴾ ثم قال :﴿وَمَن كَفَرَ﴾ بهذه الآيات. وأخرج ابن المنذر، عن ابن مسعود في الآية قال :﴿وَمَن كَفَرَ﴾ فلم يؤمن به : فهو الكافر.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى