تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي

عن الكتاب
قال ابن عباس :﴿الصآخة﴾ اسم من أسماء يوم القيامة، عظّمه الله وحذره عباده، وقال البغوي :﴿الصآخة﴾ يعني يوم القيامة، سميت بذلك لأنها تضخ الأسماع، أي تبالغ في إسماعها حتى تكاد تصمها، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وصاحبته وَبَنِيهِ﴾ أي يراهم ويفر منهم؛ لأن الهول عظيم، والخطب جليل، قال عكرمة : يلقى الرجل زوجته فيقول لها : يا هذه أي بعل كنت لك؟ فتقول : نعم البعل كنت، وتثني بخير ما استطاعت، فيقول لها : فإني أطلب إليك اليوم حسنة واحدة تهبيها لي لعلي أنحو مما ترين، فتقول له : ما أيسر ما طلبت، ولكن لا أطيق أن أعطيك شيئاً أتخوف مثل الذي تخاف، قال : وإن الرجل ليلقى ابنه فيعلق به فيقول : يا بني أي ولد كنت لك؟ فيثني بخير، فيقول له : يا بني إني احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك لعلي أنجو بها مما ترى فيقول ولده : يا أبتِ ما أيسر ما طلبت، ولكني أتخوف مثل الذي تتخوف، فلا أستطيع أن أُعطيك شيئاً، يقول الله تعالى :﴿يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وصاحبته وَبَنِيهِ﴾ وفي الحديث الصحيح في أمر الشفاعة :« حتى عيسى ابن مريم يقول : لا أسأله اليوم إلاّ نفسي، لا أسأله مريم التي ولدتني »، عن ابن عباس قال، قال رسول الله ﷺ :« » تحشرون حفاة عراة مشاة غرلاً « قال، فقالت زوجته : يا رسول الله ننظر أو يرى بعضنا عورة بعض قال :» لكل امرىء يوميئذٍ شأن يغنيه « : أو قال :» ما أشغله عن النظر « » وروى النسائي عن عروة عن عائشة « أن رسول الله ﷺ قال :» يبعث الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً « فقالت عائشة : يا رسول الله فكيف بالعورات؟ فقال :» لكل امرىء منهم يومئذٍ شأن يغنيه « » وعن أنَس بن مالك قال :« سألت عائشة رسول الله ﷺ فقالت : يا رسول الله بأبي أنت وأُمي، إني سائلتك عن حديث فتخبرني أنت به، قال :» إن كان عندي منه علم « قالت يا نبي الله كيف يحشر الرجال؟ قال :» حفاة عراة « ثم انتظرت ساعة، فقالت : يا رسول الله كيف يحشر النساء؟ قال :» كذلك حفاة عراة «، قالت : واسوأتها من يوم القيامة، قال :» وعن أي ذلك تسألين إنه قد نزل علي أية لا يضرك كان عليك ثياب ولا يكون «، قالت : أية آية هي يا نبي الله؟ قال :﴿لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ »
، وقال البغوي في « تفسيره ». « عن سودة زوج النبي ﷺ قالت : قال رسول الله عليه وسلم :» يبعث الناس حفاة عراة غرلاً قد ألجمهم العرف وبلغ شحوم الآذان «، فقلت : يا رسول الله واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟ فقال : قد شغل الناس ﴿لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ » وقوله تعالى :﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي يكون الناس هنالك فريقين، وجوه مسفرة أي مستنيرة ﴿ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي مسرورة فرحة، قد ظهر البشر على وجوههم، وهؤلاء هم أهل الجنة، ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ أي يعلوها وتغشاها ﴿قَتَرَةٌ﴾ أي سواد، وفي الحديث :« يلجم الكافر العرق ثم تقع الغبرة على وجوههم »، فهو قوله تعالى :﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾، وقال ابن عباس ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ أي يغشاها سواد الوجوه، وقوله تعالى :﴿أولئك هُمُ الكفرة الفجرة﴾ أي الكفرة قلوبهم، الفجرة في أعمالهم كما قال تعالى :﴿وَلاَ يلدوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح: ٢٧].

تفسير هذه الآية من كتب أخرى