اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فَإِذَا جَآءَتِ الصآخة﴾ : وهي الصَّيحةُ التي تصخُّ الآذان، أي : تصمها لشدة وقعتها.
وقيل : هي مأخوذة من صَخّهُ بالحجر أي : صَكَّهُ به.
وقال الزمخشري(١) :«صخَّ لحديثه مثل أصاخ له، فوصفت النفخة بالصاخَّة مجازاً ؛ لأن النَّاس يصخُّون لها ».
وقال ابن العربي : الصاخَّة : التي تورث الصَّممَ، وإنَّها لمسمعة، وهذا من بديع الفصاحة ؛ كقول الشاعر :[ البسيط ]
٥١١٤- أصمَّنِي سِرُّهُمْ أيَّام فُرقتِهِمْفَهل سَمِعتُمْ بِسرِّ يُورِثُ الصَّمَمَا(٢)
وقال آخر :[ الطويل ]
٥١١٥- أصَمَّ بِكَ النَّاعِي وإنْ كَانَ أسْمَعَا. . . (٣)
وجواب «إذا » محذوف، يدل عليه قوله :«لكُلِّ امرئٍ مِنهُمْ يومئذٍ شأنٌ يُغنِيهِ ». والتقدير : فإذا جاءت الصاخة اشتغل كل أحد بنفسه.

فصل في تعلق الآية


لما ذكر أمر المعاش ذكر أمر المعاد ليتزودوا له بالأعمال الصالحة، والإنفاق مما امتن به عليهم.
وقال ابنُ الخطيب(٤) : لمَّا ذكر تعالى هذه الأشياء، وكان المقصود منها أمور ثلاثة :
أولها : الدلائل الدالة على التوحيد.
وثانيها : الدلائل الدالة على القدرة والمعاد.
وثالثها : أن هذا الإله الذي أحسن إلى عبيده بهذه الأنواع العظيمة من الإحسان، لا يليق بالعاقل أن يتمرَّد عن طاعته، وأن يتكبَّر على عبيده أتبع ذلك بما يكون كالمؤكِّد لهذه الأغراض، وهو شرح [ أهوالِ الآخرةِ ](٥)، فإن الإنسان إذا سمعها خاف، فيدعوه ذلك الخوف إلى التأمل في الدلائل، والإيمان بها، والإعراض عن الكفر، ويدعوه أيضاً إلى ترك التكبُّر على الناس، وإلى إظهار التواضع فقال تعالى :﴿فَإِذَا جَآءَتِ الصآخة﴾ يعني : صيحة القيامةِ، وهي النفخة الأخيرةُ، تصخُّ الأسماع أي : تصمُّها، فلا تسمع إلا ما يدعى به الأحياء.
قال رسول الله ﷺ :«مَا مِنْ دَابَّةٍ إلا وهِيَ مُصِيخَةٌ يوْمَ الجُمعَةِ شفقاً مِنَ السَّاعَةِ إلاَّ الجنِّ والإنسَ »(٦).
١ ينظر الكشاف ٤/٧٠٥..
٢ ينظر القرطبي ١٩/١٤٦، والبحر ٨/٤٢١، والدر المصون ٦/٤٨٢..
٣ صدر البيت لأبي تمام الطائي وعجزه:
*** وأصبح مغنى الحسود بعدك بلقعا ***
بنظر ديوانه ٣٦١، والبحر ٨/٤٢١، والقرطبي ١٩/١٤٦، والدر المصون ٦/٤٨٢..

٤ ينظر الفخر الرازي ٣١/٥٨..
٥ في أ: أحوال القيامة..
٦ أخرجه أحمد (٢/٤٨٦)، وأبو داود (١٠٤٦)، والترمذي (٤٩١)، والنسائي (٣/١١٣ -١١٥)، والحاكم (١/٢٧٨ -٢٧٩)، وابن خزيمة (٣/١٢٠)، رقم (١٧٣٨)، وابن حبان (١٠٢٤ – موارد)، والبيهقي (٣/٢٥٠- ٢٥١)، من حديث أبي هريرة وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى