بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السماء والأرض﴾ قال بعضهم : هذا على سبيل المثل، والعرب إذا أرادت تعظيم ملك، عظيم الشأن، عظيم العطية تقول : كَسَفَ القَمَرُ لِفَقْدِهِ، وبَكَت الرِّيحُ والسَّمَاءُ وَالأرض، وقد ذكروا ذلك في أشعارهم، فأخبر الله تعالى، أن فرعون لم يكن ممن يجزع له جازع، ولم يقم لفقده فقد، وقال بعضهم :﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السماء والأرض﴾ يعني : أهل السماء، وأهل الأرض. فأقام السماء والأرض مقام أهلها. كما قال :﴿واسأل القرية التي كُنَّا فِيهَا والعير التي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لصادقون﴾ [يوسف: ٨٢] وقال بعضهم : يعني : بكت السماء بعينها، وبكت الأرض. وقال ابن عباس :«لِكُلِّ مُؤْمِنٍ بَابٌ في السَّمَاءِ، يَصْعَدُ فِيهِ عَمَلُهُ، وَيَنْزِلُ مِنهُ رِزْقُهُ، فَإذا مَاتَ بَكَى عَلَيْهِ بَابُه فِي السَّمَاءِ، وَبَكَتْ عَلَيْهِ آثَارُهُ فِي الأرض » وذكر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه سئل : أتبكي السماء والأرض على أحد ؟ قال " نعم، إذا مات المؤمن، بكت عليه معادنه من الأرض، التي كان يذكر الله تعالى فيها ويصلي، وبكى عليه بابه الذي كان يرفع فيه عمله "، فأخبر الله تعالى : أن قوم فرعون، لم تبك عليهم السماء والأرض ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾ يعني : مؤجلين.