مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿فما بكت عليهم السماء والأرض﴾ وفيه وجوه :( الأول ) قال الواحدي في «البسيط » روى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال :«ما من عبد إلا وله في السماء بابان باب يخرج منه رزقه وباب يدخل فيه عمله، فإذا مات فقداه وبكيا عليه » وتلا هذه الآية، قال وذلك لأنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملا صالحا فتبكي عليهم، ولم يصعد لهم إلى السماء كلام طيب ولا عمل صالح فتبكي عليهم، وهذا قول أكثر المفسرين.
القول الثاني : التقدير : فما بكت عليهم أهل السماء وأهل الأرض، فحذف المضاف والمعنى ما بكت عليهم الملائكة ولا المؤمنون، بل كانوا بهلاكهم مسرورين.
والقول الثالث : أن عادة الناس جرت بأن يقولوا في هلاك الرجل العظيم الشأن : إنه أظلمت له الدنيا، وكسفت الشمس والقمر لأجله وبكت الريح والسماء والأرض، ويريدون المبالغة في تعظيم تلك المصيبة لا نفس هذا الكذب. ونقل صاحب «الكشاف » : عن النبي ﷺ أنه قال :«ما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض ». وقال جرير :
الشمس طالعة ليست بكاسفةتبكي عليك نجوم الليل والقمر.
وفيه ما يشبه السخرية بهم يعني أنهم كانوا يستعظمون أنفسهم، وكانوا يعتقدون في أنفسهم أنهم لو ماتوا لبكت عليهم السماء والأرض، فما كانوا في هذا الحد، بل كانوا دون ذلك، وهذا إنما يذكر على سبيل التهكم.
ثم قال :﴿وما كانوا منظرين﴾ أي لما جاء وقت هلاكهم لم ينظروا إلى وقت آخر لتوبة وتدارك وتقصير.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى