روح المعاني — الألوسي
عن الكتاب
﴿مَا خلقناهما﴾ أي وما بينهما ﴿إِلاَّ بالحق﴾ استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي ما خلقناهما ملتبسين بشيء من الأشياء إلا ملتبسين بالحق فالجار والمجرور في موضع الحال من الفاعل، وجوز أن يكون في موضع الحال من المفعول، والباء للملابسة فيهما، وجوز أن تكون للسببية، والاستثناء مفرغ من أعم الأسباب أي ما خلقناهما بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق الذي هو الإيمان والطاعة والبعث والجزاء والملابسة أظهر ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ تذييل وتجهيل فخيم لمنكري الحشر وتوكيد لأن إنكارهم يؤدي إلى إبطال الكائنات بأسرها ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ ولهذا قال المؤمنون :﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا سبحانك فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١].
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ومن باب الإشارة : وقالوا في قوله تعالى :﴿وَمَا خَلَقْنَا السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ مَا خلقناهما إِلاَّ بالحق﴾ [الدخان: ٣٨، ٣٩] إنه إشارة إلى الوحدة كقوله عز وجل :﴿سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِى الافاق وَفِى أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق﴾ [فصلت: ٥٣] وأفصح بعضهم فقال : الحق هو عز وجل والباء للسببية أي ما خلقناهما إلا بسبب أن تكون مرايا لظهور الحق جل وعلا، ومن جعل منهم الباء للملابسة أنشد :
وكأنما قدح ولا خمر *** والعبارة ضيقة والأمر طور ما وراء العقل والسكوت أسلم، وقالوا في شجرة الزقوم : هي شجرة الحرص وحب الدنيا تظهر يوم القيامة على أسوأ حال وأخبث طعم
| رق الزجاج وراقت الخمر | فتشاكلا وتشابه الأمر فكأنما خمر ولا قدح |