الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي
عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قال الحسن : معناه : يدعون في طَلَبِ المغفرة، ويُرْوَى أَنَّ أبوابَ الجنة تُفْتَحُ سَحَرَ كُلَّ ليلة، قال ابن زيد : السَّحَرُ : السُّدُسُ الآخر من الليل، والباء في قوله ﴿وبالأسحار﴾ بمعنى في ؛ قاله أبو البقاء، انتهى. ومن كلام الجوزي في «المُنْتَخَبِ » : يا أخي، علامةُ المَحَبَّةِ طلبُ الخَلْوَةِ بالحبيبِ، وبيداءُ اللَّيل فلواتُ الخلوات، لَمَّا ستروا قيامَ الليل في ظلام الدُّجَى ؛ غَيْرَةً أَنْ يَطَّلِعَ الغيرُ عليهم سترهم سبحانه بسترٍ، ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفي لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. لَمَّا صَفَتْ خلواتُ الدُّجَى، ونادى أذان الوصال : أقم فلاناً، وأنم فلاناً خرجت بالأسماء الجرائد ؛ وفاز الأحبابُ بالفوائد، وأنت غافل راقد. آهِ لو كنتَ معهم أسفاً لك لو رأيتهم لأبصرتَ طلائِعَ الصِّدِّيقِينَ في أول القوم، وشاهدتَ سَاقَةَ المستغفرين في الرَّكْبِ، وسَمِعْتَ استغاثة المُحِبِّينَ في وسط الليل، لو رأيتهم يا غافلُ، وقد دارت كُؤوسُ المناجات ؛ بين مزاهر التلاوات، فأسكَرَتْ قَلْبَ الواجدِ، ورقمت في مصاحف الوجنات. تعرفهم بسيماهم، يا طويلَ النوم، فاتتك مِدْحَةُ ﴿تتجافي﴾ وَحُرِمْتَ مِنْحَةَ ﴿والمستغفرين﴾، يا هذا، إنَّ للَّه تعالى ريحاً تُسَمَّى الصَّبِيحَةَ مخزونةً تحتَ العرش، تَهُبُّ عند الأسحار، فتحمل الدعاء والأنين والاستغفار إلى حضرة العزيز الجَبَّارِ، انتهى.