اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
ثم ابتدأ قسماً آخر وهو قوله :﴿والسماء ذَاتِ الحبك﴾ العامة على الحُبُك - بضمتين - قال ابن عباس وقتادة وعكرمة : ذاتِ الخلق الحسن المستوي، يقال للنساج إذا نَسَجَ الثَوْبَ فَأَجَاد : ما أحْسَنَ حَبْكهُ. وقال سعيد بن جبير : ذاتِ الزّينة أي المزينة بزينة الكواكب. قال الحسن : حُبِكَتْ بالنُّجوم. وقال مجاهد : هي المتقنة المبنيّات. وقال مقاتل والكلبي والضحاك : ذات الطرائق(١) كحَبْك الماء إذا ضَرَبَتْهُ الرِّيح، وحَبْكِ الرَّمل والشّعر الجَعْد وهو آثار تَثَنِّيه وَتَكسُّرِهِ(٢)، قال زهير :
مُكَلَّلٌ بِأُصُولِ النَّجْمِ تَنْسِجُهُريحٌ خَريقٌ لضَاحي مَائهِ حُبُك(٣)
والحبك جمع يحتمل أن يكون مفرده حَبِيكَة، كطَرِيقةٍ وطُرُق أَو حِباك نحو : حِمَار وحُمُر قال :
كَأَنَّمَا جَلَّلَها الحُوَّاكُطِنْفسَةٌ فِي وَشْيِهَا حِبَاكُ(٤)
وأصل الحَبْك إحكام الشيء وإتقانه، ومنه يقال للدروع : مَحْبُوكة. وقيل : الحَبْكُ الشدّ والتَّوَثُّق، قال امرؤ القيس :
قَدْ غَدَا يَحْمِلُنِي فِي أَنْفِهِلاَحِقُ الإطْلَيْنِ مَحبُوكٌ مُمَرّ(٥)
وفي هذه اللفظة قراءات كثيرة، فعن الحسن - ( رضي الله عنه ) (٦) - ست قراءات، الحبك - بالضم - كالعُنُق، وبضم الحاء وسكون الباء وتروى عن ابن عباس، وأبي عمرو(٧)، وبكسر الحاء والباء(٨)، وبكسر الحاء وسكون الباء(٩)، وهو تخفيف المكسور، وكسر الحاء وفتح الباء(١٠)، وكسر الحاء وضم الباء(١١)، وهذه أقلها لأن هذه الزنة مهملة في أبنية العرب(١٢).
قال ابن عطية وغيره : هو من التداخل، يعني أن فيها لغتين الكسر في الحاء والباء والضم فيهما فأخذ هذا القارئ الكسرَ من لغةٍ، والضمّ من أُخْرَى(١٣). واستبعدها الناس ؛ لأن التداخل إنما يكون في كلمتين. وخرجها أبو حيان على أن الحاء أتبعت لحركة التاء في ذات، قال : ولم يعتد باللام فاصلةً لأنها ساكنة فهي حاجز بَيِّنٌ حصين(١٤).
وقد وافق الحسن على هذه القراءة أبو مالك(١٥) الغِفَارّي.
وقرأ عكرمة بالضم والفتح جمع حُبْكَة نحو : غُرْفَة وغُرَف(١٦)، وابن عباس وأبو مالك الحَبَك بفتحتين، جمع حَبْكَة كعَقْبَة وعَقَب(١٧).
١ وانظر تفسير العلامتين الخازن والبغوي في تفسيرهما لباب التأويل ومعالم التنزيل ٦/٢٤١ وتفسير العلامة القرطبي في الجامع ١٧/٣١..
٢ قاله أبو زكريا الفراء في معاني القرآن ٣/٢ وانظر تفسير الإمام ٢٨/١٩٧..
٣ من البسيط به. والنجم كل شيء من النبات ليس له ساق ينبت حول الماء كالإكليل على أنه يروى في اللسان النبت "وريح خرق" شديدة.
والشاهد في: "حبك" فهو تكسر الماء القائم إذا مرت به الريح. وانظر البيت في القرطبي ١٧/٣٢ والهمع ٨/١٣٢ ومجمع البيان للطبرسي ٩/٢٢٩ واللسان "حبك" والمحتسب ٢/٢٨٧ والدر المنثور ٧/٦٩٢ والديوان ١٧٦..

٤ رجز لم أعلم قائله والطنفسة بكسر الطاء وضم الفاء وكسرها، وضبطها صاحب اللسان بتثليث الطاء والفاء وبكسر الطاء وفتح الفاء وبالعكس- النمرقة فوق الرحل. والبيت شاهد على الحباك واحد حبك والحِباك والحبيكة الطريقة في الرمل ونحوه. وانظر البحر ٨/١٣٢ والقرطبي ١٧/٣٢..
٥ البيت من الرمل له وهو في ديوانه ١٤٦. والإطلين مثنى إطل وهو الخاصرة كلها، وقيل غير ذلك والممرّ الشديد الخلق من الفرس وغيره. والمعنى يصف فرسا بالقوة والصلابة.
والشاهد محبوك مفعول وقد فسرته الآن. وانظر: فتح القدير ٥/٨٣ والبحر ٨/١٣٢ والقرطبي ١٧/٣٢..

٦ سقط في أ..
٧ ذكرها أبو الفتح في المحتسب ٢/٢٨٦. وانظر: البحر المحيط ٨/١٣٤..
٨ ذكرها ابن خالويه في المختصر ١٤٥ وابن جني في المحتسب ٢/٢٨٦..
٩ ذكرها بنسبة له ابن جني في المرجع السابق بينما قال ابن خالويه: "الحِبك عن آخرين"..
١٠ نسبها أبو حيان للحسن في البحر ٨/١٣٤..
١١ المحتسب ٢/٢٨٦ وقد ذكرها ابن عطية عن الحسن فيما حكى أبو حيان في البحر المرجع السابق..
١٢ قال أبو حيان: "وقال صاحب اللوامح: وهو عديم النظير في العربية في أبنيتها وأوزانها، ولا أرى ما رأى". انظر: المرجع السابق..
١٣ بالمعنى من البحر ٨/١٣٤ فقد قال: "هي قراءة شاذة غير متوجهة وكأنه أراد كسرها ثم توهم الحبك قراءة الضم بعد أن كسر الحاء وضم الباء وهذا على تداخل اللغات، وليس في كلام العرب هذا البناء" انتهى. البحر المرجع السابق..
١٤ البحر المرجع السابق..
١٥ سبق ترجمته..
١٦ وهي شاذة المحتسب ٢/٦٨٦..
١٧ وهذا قول أبي الفضل الرازي فيما نقله صاحب البحر ٨/١٣٤..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى