التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم أقسم - سبحانه - قسما آخر بالسماء ذات الحبك فقال :﴿والسمآء ذَاتِ الحبك إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾.
والحبك : جمع حَبِيكة، كطريقة - وزنا ومعنى -، أو جمع حِبَاك - كمُثُل ومِثَال -، والحبيكة والحباك. الطريقة فى الرمل وما يشبهه. أى : وحق السماء ذات الطرق المتعددة، والتى لا ترونها بأعينكم لبعدها عنكم.
ويرى بعضهم أن معنى ذات الحبك : ذات الخَلْق الحسن المحكم... أو ذات الزينة والجمال.
قال القرطبى : وفى الحبك أقوال : الأول : قال : ابن عباس : ذات الخلْق الحسن المستوى يقال، حبَك فلان الثوب يحبِكُه - بكسر الباء - إذا أجاد نسجه.
الثانى : ذات الزينة. الثالث : ذات النجوم، الرابع : ذات الطرائق. ولكنها تبعد من العباد فلا يرونها. الخامس : ذات الشدة..
وقوله :﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ﴾ جواب القسم. وقوله :﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ...﴾ من الأفْك - بفتح الهمزة وسكون الفاء - بمعنى الصرف للشىء عن وجهه الذى يجب أن يكون عليه.
والضمير فى " عنه " يعود إلى النبى - ﷺ - أو إلى القرآن الكريم.
فيكون المعنى : وحق السماء ذات الطرق المتعددة، وذات الهيئة البديعة المحكمة الجميلة... إنكم - أيها المشركون - " لفى قول مختلف " أى : متناقض متخالف، فمنكم من يقول عن القرآن الكريم أنه : أساطير الأولين، ومنكم من يقول عن الرسول - ﷺ - : إنه ساحر أو مجنون.
والحق أنه يصرف عن الإيمان بهذا القرآن الكريم الذى جاء به الرسول - ﷺ - من صرفه الله - تعالى - عنه، بسبب إيثاره الغى على الرشد، والضلالة على الهداية، والكفر على الإيمان.
والتعبير بقوله :﴿مَنْ أُفِكَ﴾ للإشعار بأن هذا الشقى الذى آثر الكفر على الإيمان، قد صرف عن الرشاد وعن الخير صرفا، ليس هناك ما هو أشد منه فى سوء العاقبة.
فهذا التعبير شبيه فى التهويل بقوله - تعالى - :﴿فَغَشِيَهُمْ مِّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ﴾ قال الجمل :﴿يُؤْفَكُ﴾ يصرف ﴿عَنْهُ﴾ عن النبى - ﷺ - والقرآن الكريم. أى : عن الإيمان به ﴿مَنْ أُفِكَ﴾ أى : من صرف عن الهداية فى علم الله - تعالى -.
وقيل : الضمير للقول المذكور، أى : يرتد، أى : يصرف عن هذا القول من صرف عنه فى علم الله - تعالى - وهم المؤمنون.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى