اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿أَفَلاَ يَعْلَمُ﴾ لما عد عليه قبائح أفعاله خوّفه، فقال :﴿أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي القبور﴾.
العامل في «إذَا » أوجه :
أحدهما :«بُعْثِرَ »، نقله مكيٌّ عن المبرِّد. وتقدم تحريره في السورة قبلها.
قال القرطبيُّ(١) : العامل في «إذا » :«بعثر »، ولا يعمل فيه «يعلمُ » ؛ إذ لا يراد به العلم من الإنسان ذلك الوقت ؛ إنما يراد في الدنيا، ولا يعمل فيه «خبير » ؛ لأن ما بعد «إن » لا يعمل فيما قبلها، والعامل في «يَوْمئذٍ » :«خَبِيرٌ » وإن فصل اللام بينهما ؛ لأن موضع اللام الابتداء، وإنما دخلت في الخبر لدخول «إن » على المبتدأ.
والثاني : ما دل عليه خبر «إن »، أي : إذا بعثر جوزوا.
والثالث : أنه «يَعْلمُ »، وإليه ذهب الحوفي وأبو البقاء(٢)، وردّه مكي، قال :«لأن الإنسان لا يراد منه العلم والاعتبار ذلك الوقت، وإنما يعتبر في الدنيا ويعلم ».
قال أبو حيان(٣) :«وليس بمتضح، لأن المعنى : أفلا يعلم الآن ».
وكان قال قبل ذلك :«ومفعول «يعلم » محذوف، وهو العامل في الظرف ؛ أي : أفلا يعلم ما مآله إذا بُعثر » انتهى.
فجعلها متعدية في ظاهر قوله إلى واحد، وعلى هذا فقد يقال : إنها عاملة في «إذا » على سبيل أن «إذا » مفعول به لا ظرف ؛ إذ التقدير : أفلا يعرف وقت بعثرة القبور، يعني أن يقر بالبعث ووقته، و«إذا » قد تصرفت وخرجت عن الظرفية، ولذلك شواهد تقدم ذكرها.
الرابع : أن العامل فيها محذوف، وهو مفعول «يَعْلَمُ »، كما تقدم.
وقرأ العامة :«بُعْثِرَ » - بالعين - مبنيًّا للمفعول، والموصول قائم مقام الفاعل.
وابن مسعود(٤) : بالحاء.
قال الفرَّاءُ : سمعت بعض أعراب بني أسد يقرأ «بحثر » بالحاء، وحكاه الماوردي عن ابن مسعودٍ.
وقرأ الأسود(٥) بن زيد ومحمد بن معدان :«بحث » من البحث.
وقرأ نصر بن عاصم(٦) :«بَعْثَرَ » مبنياً للفاعل، وهو اللهُ أو الملك.

فصل في معنى الآية


المعنى «أفَلا يَعْلمُ »، أي : ابن آدم، «إذَا بُعْثِرَ » أي : أثير وقلب وبحث، فأخرج ما فيها.
قال أبو عبيدة : بعثرت المتاع، جعلت أسفله أعلاه.
قال محمد بن كعب : ذلك حين يبعثون(٧).
فإن قيل : لم قال :«بُعثِرَ ما في القُبُور » ولم يقل : من في القبور ؟ ثم إنه - تعالى - لما قال :«مَا فِي القُبورِ » فلم قال :﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾ ؟.
فالجواب عن الأول : أن ما في الأرض غير المكلفين أكثر، فأخرج الكلام على الأغلب، أو أنهم حال ما يبعثرون لا يكونون أحياء عقلاء ؛ بل يصيرون كذلك بعد البعث، فلذلك كان الضمير الأول غير العقلاء، والضمير الثاني ضمير العقلاء.
١ الجامع لأحكام القرآن ٢٠/١١١..
٢ الإملاء ٢/٢٩٢..
٣ البحر المحيط ٨/٥٠٢..
٤ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٥١٥، والبحر المحيط ٨/٥٠٢، والدر المصون ٦/٥٦١..
٥ ينظر السابق..
٦ السابق..
٧ ذكره القرطبي في تفسيره ٣٠/١١١..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى