الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿والذي قَالَ لوالديه﴾ قال الثعلبيُّ : معناه : إذ دَعَوَاهُ إلى الإيمان، ﴿أُفٍّ لَّكُمَا﴾ الآية، انتهى. و﴿الذي﴾ يعنى به الجِنْسِ على حَدِّ العموم في التي قبلها في قوله :﴿وَوَصَّيْنَا الإنسان﴾ ؛ هذا قول الحسن وجماعة، ويشبه أَنَّ لها سبباً من رَجُلٍ قال ذلك لأبويه، فلما فرغ من ذكر المُوَفَّقِ، عَقَّبَ بذكر هذا العَاقِّ، وقد أنكرتِ عائِشَةُ أنْ تكونَ الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بَكْر، وقالت : مَا نَزَلَ في آلِ أبي بَكْرٍ مِنَ القُرْآنِ غَيْرُ بَرَاءَتِي.
( ت ) : ولا يُعْتَرَضُ عليها بقوله تعالى :﴿ثَانِيَ اثنين﴾ [التوبة: ٤٠] ولا بقوله :﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل﴾ [النور: ٢٢] كما بَيَّنَّا ذلك في غير هذه الآية.
قال ( ع ) : والأَصوبُ أنْ تكونَ الآية عامَّةً في أَهل هذه الصفات، والدليلُ القاطعُ على ذلك : قوله تعالى :﴿أُوْلَئِكَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول في أُمَمٍ﴾ وكان عبدُ الرحمن بن أبي بكر رضي اللَّه عنه من أفاضل الصحابة، ومن أبطال المسلمين، ومِمَّنْ له في الإسلام غَنَاءٌ يومَ اليمامة وغيره، و﴿أُفٍّ﴾ بالتنوين قراءة نافع وغيره، والتنوينُ في ذلك عَلاَمَةُ تنكيرٍ ؛ كما تَسْتَطْعِمُ رَجُلاً حَدِيثاً غَيْرَ مُعَيَّنٍ فتقول : إيهٍ منونةً، وإنْ كان حديثاً مُشَاراً إليه قلت : إيهِ بغير تنوين.
وقوله :﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ المعنى : أَنْ أُخْرَجَ مِنَ القَبْرِ إلى الحَشْرِ، وهذا منه استفهامٌ بمعنى الهُزْءِ والاِستبعاد. ﴿وَقَدْ خَلَتِ القرون مِن قَبْلِي﴾ معناه : هَلَكَتْ ومَضَتْ، ولم يخرجْ منهم أحد، ﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ الله﴾ يعني : الوالدَيْنِ يقُولاَنِ له :﴿وَيْلَكَ آمِنْ﴾.
وقوله :﴿مَا هذا إِلاَّ أساطير الأولين﴾ أي : ما هذا القول الذي يتضمَّنُ البَعْثَ من القبور إلاَّ شيءٌ سَطَرَهُ الأَوَّلُون في كتبهم، يعني : الشرائعَ، وظاهر ألفاظ هذه الآية أَنَّها نزلَتْ في مُشَارٍ إليه، قال : وقِيلَ له، فنعى اللَّه إلينا أقواله ؛ تحذيراً من الوقوع في مثلها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى