الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري
عن الكتاب
﴿والذى قَالَ لوالديه﴾ مبتدأ خبره : أولئك الذين حق عليهم القول. والمراد بالذي قال : الجنس القائل ذلك القول، ولذلك وقع الخبر مجموعاً. وعن الحسن : هو في الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث. وعن قتادة : هو نعت عبد سوء عاق لوالديه فاجر لربه. وقيل : نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه وقد دعاه أبوه أبو بكر وأمّه أمّ رومان إلى الإسلام، فأفف بهما وقال : ابعثوا لي جدعان بن عمرو وعثمان بن عمرو، وهما من أجداده حتى أسألهما عما يقول محمد، ويشهد لبطلانه أن المراد بالذي قال : جنس القائلين ذلك، وأنّ قوله الذين حق عليهم القول : هم أصحاب النار، وعبد الرحمن كان من أفاضل المسلمين وسرواتهم. وعن عائشة رضي الله عنها إنكار نزولها فيه، وحين كتب معاوية إلى مروان بأن يبايع الناس ليزيد قال عبد الرحمن : لقد جئتم بها هرقلية، أتبايعون لأبنائكم ؟ فقال مروان : يا أيها الناس، هو الذي قال الله فيه :﴿والذى قَالَ لوالديه أُفٍّ لَّكُمَآ﴾ فسمعت عائشة فغضبت وقالت : والله ما هو به، ولو شئت أن أسميه لسميته ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه، فأنت فضض من لعنة الله. وقرىء :«أف » بالكسر والفتح بغير تنوين، وبالحركات الثلاث مع التنوين، وهو صوت إذا صوت به الإنسان علم أنه متضجر، كما إذا قال : حس، علم منه أنه متوجع، واللام للبيان، معناه : هذا التأفيف لكما خاصة، ولأجلكما دون غيركما. وقرىء «أتعدانني » بنونين. وأتعداني : بأحدهما. وأتعداني : بالإدغام. وقد قرأ بعضهم : أتعدانني بفتح النون، كأنه استثقل اجتماع النونين والكسرتين والياء، ففتح الأولى تحرياً للتخفيف، كما تحراه من أدغم ومن أطرح أحدهما ﴿أَنْ أُخْرَجَ﴾ أن أُبعث وأخرج من الأرض. وقرىء :«أخرج » ﴿وَقَدْ خَلَتِ القرون مِن قَبْلِى﴾ يعني : ولم يبعث منهم أحد ﴿يَسْتَغِيثَانِ الله﴾ يقولان : الغياث بالله منك ومن قولك، وهو استعظام لقوله :﴿وَيْلَكَ﴾ دعاء عليه بالثبور : والمراد به الحث والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك.