اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿واذكر أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بالأحقاف. . .﴾ الآية لما ذكر دلائل النبوة والتوحيد وكان أهل مكة بسبب استغراقهم في لذات الدنيا أعرضوا عنها ولم يلتفتوا إليها لهذا(١) السبب قال تعالى في حقهم :﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ عَلَى النار أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدنيا﴾ [الأحقاف: ٢٠] فلما كان الأمر كذلك بين أن قوم عاد كانوا أكثر أموالاً وقوةً وجاهاً، ثم إن الله تعالى سلَّط عليهم العذاب بكفرهم وذكر قصتهم ليعتبر بها أهل مكة فيتركوا الاغترار بما وجدوه في الدنيا ويقبلوا على طلب الدين الحق(٢) فقال :«وَاذْكُرْ يا محمد لقومك أَخَا عَادٍ » أي هوداً عليه الصلاة والسلام.
قوله :﴿إِذْ أَنذَرَ﴾ بدل من «أخا » بدل اشتمال وتقدم تحقيقه. وقوله ﴿بالأحقاف﴾ هي جمع حِقْفٍ وهو الرمل المستطيل المعوجُّ(٣) ومنه احْقَوْقَفَ(٤) الهِلاَلُ، قال امرؤ القيس :
٤٤٥٤ فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الحَيِّ وَانْتَحَىبِنَا بَطْنُ حقْفٍ ذِي حِقَافٍ عَقَنْقَلِ(٥)
قال ابن عباس ( رضي الله عنهما )(٦) وادٍ بين عمان ومَهْرة. وقال مقاتل : كانت منازل عاد باليمن في حضرموت، بموضع يقال له : مَهْرَةَ إليها تنسب الإبل المَهْرِيَّة، وكانوا أهل عُمُد سيارة في الربيع فإذا العُود رَجَعُوا إلى منازلهم وكانوا من قبيلة إرَم، وقال قتادة : ذكر لنا أن عاداً كانوا حياً من اليمن كانوا أهل رمل مشرفين على البحر، بأرض يقال لها الشِّحْر(٧).
قوله :﴿وَقَدْ خَلَتِ﴾ يجوز أن يكون حالاً من الفاعل، أو من المفعول والرابط الواو، والنُّذُر جمع نَذِيرٍ ويجوز أن يكون معترضة بين «أَنْذَرَ » وبين «أَنْ لا تَعْبُدُوا »(٨) أي أنذرهم بأن لا.
وقوله :﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ أي مضت الرسل من قبل هود ومن خلفه أي بعده. ( والمعنى(٩) أعلمهم أن الرسل الذي بعثوا قبله والذين يبعثون ) بعده كلهم منذرون نحو إنذاره.

فصل


١ في ب فلذلك السبب..
٢ الرازي السابق ٢٦/٢٧..
٣ مجاز القرآن ٢/٢١٣ وغريب القرآن ٤٠٧..
٤ اللسان وفيه معان أخرى اللسان حقف (٩٣٩)..
٥ من الطويل له شاهده في: حقف حيث المعنى على ما ذكر وأجرنا قطعنا والساحة تجمع على الساحات والساح والسوح الجبيل الصغير، والحي القبيلة، ولانتحاء واللتنحي والنحو: الاعتماد على شيء والبطن مكان مطمئن حوله أماكن مرتفعة. والحقف رمل مشرف معوج وهو محل الشاهد. ويروى: قفاف بدل حقاف وهي جمع قف وهو ما غلظ من الأرض ولم يبلغ جبلا. والعقنقل: الرمل المنعقد المتبلد. وانظر البيت في شرح الزوزني للمعلقات ١٩ و٢٠ وأدب الكاتب ٢٧٣ والبحر ٨/٥٣ والإنصاف ٤٥٧، والمنصف ٣/٤١..
٦ زيادة من أ..
٧ انظر هذه المعاني في الكشاف ٣/٥٢٣ والقرطبي ١٦/٢٠٣ و٢٠٤..
٨ البحر المحيط ٨/٦٤..
٩ ما بين القوسين سقط من ب بسبب انتقال النظر..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى