المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
ثم خاطب تعالى قريشاً على جهة الموعظة بقوله :﴿ولقد مكناهم في ما إن مكناهم فيه﴾ ف ﴿ما﴾، بمعنى الذي، و ﴿إن﴾ نافية وقعت مكان ﴿ما﴾ ليختلف اللفظ، ولا تتصل ﴿ما﴾ ب ﴿ما﴾، لأن الكلام كأنه قال : في الذي ما مكناكم فيه. ومعنى الآية : ولقد أعطيناهم من القوة والغنى والبسط في الأموال والأجسام ما لم نعطكم، ونالهم بسبب كفرهم هذا العذاب، فأنتم أحرى بذلك إذا كفرتم. وقالت فرقة :﴿إن﴾ شرطية، والجواب محذوف تقديره : في الذي إن مكناكم فيه طغيتم، وهذا تنطع في التأويل(١).
ثم عدد تعالى عليهم نعم الحواس والإدراك، وأخبر أنها لم تغن حين لم تستعمل على ما يجب. و » ما « : نافية في قوله :﴿فما أغنى عنهم﴾ ويقوي ذلك دخول ﴿من﴾ في قوله :﴿من شيء﴾.
وقالت فرقة :» ما «في قوله :﴿فما أغنى عنهم﴾ استفهام بمعنى التقرير، و » ﴿من شيء﴾ على هذا تأكيد، وهذا على غير مذهب سيبويه في دخول من في الواجب. ﴿وحاق﴾ معناه : وجب ولزم، وهو مستعمل في المكاره، والمعنى جزاء ﴿ما كانوا به يستهزئون﴾.
١ وقال القتبي:[إن] زائدة بعد"ما" الموصولة تشبيها بـ"ما" النافية، فهي في الآية الكريمة كما هي في قول الشاعر:
يُرجّي المرء ما إن لا يراه وتعرض دون أدناه الخُطُوب
فالمعنى: يرجّي المرء ما لا يراه، وكذلك المعنى في الآية الكريمة: ولقد مكناهم في مثل الذي مكناهم فيه، قال أبو حيان الأندلسي: وكون[إن] في الآية نافية هو الوجه؛ لأن القرآن الكريم يدل عليه في مواضع، كقوله تعالى:﴿كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا﴾، وقوله:﴿هم أحسن أثاثا ورِئيا﴾، وهو أبلغ في التوبيخ وأبلغ في الحث على الاعتبار..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى