تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
قال الإمام أحمد : حدثنا سفيان، حدثنا عمرو : سمعت عكرمة، عن الزبير :﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ قال : بنخلة، ورسول الله ﷺ يصلي العشاء الآخرة، ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩]، قال سفيان : اللبد : بعضهم على بعض، كاللبد بعضه على بعض (١).
تفرد به أحمد، وسيأتي من رواية ابن جرير، عن عكرمة، عن ابن عباس : أنهم سبعة من جن نَصِيبين.
وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة( ح ) - وقال(٢) الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه " دلائل النبوة " : أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا إسماعيل القاضي، أخبرنا مسدد، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير (٣)، عن ابن عباس قال : ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم، انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا : ما لكم ؟ فقالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب. قالوا : ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها وانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها يبتغون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ، وهو بنخلة عامدا إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا : هذا - والله - الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم، قالوا : يا قومنا، إنا سمعنا قرآنا عجبا، يهدي إلى الرشد فآمنا به، ولن نشرك بربنا أحدا، وأنزل الله على نبيه (٤) :﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ١]، وإنما أوحي إليه قول الجن.
رواه البخاري عن مُسَدَّد بنحوه، وأخرجه مسلم عن شيبان بن فروخ، عن أبي عوانة، به. ورواه الترمذي والنسائي في التفسير، من حديث أبي عوانة(٥).
وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا أبو أحمد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير (٦)، عن ابن عباس، قال : كان الجن يستمعون(٧) الوحي، فيسمعون الكلمة فيزيدون فيها عشرا، فيكون ما سمعوا حقًا وما زادوا باطلا وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك، فلما بعث رسول الله ﷺ كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا رمي بشهاب يحرق ما أصاب، فشكوا ذلك إلى إبليس فقال : ما هذا إلا من أمر قد حدث. فبث جنوده، فإذا بالنبي ﷺ يصلي بين جبلي نخلة، فأتوه فأخبروه، فقال : هذا الحدث الذي حدث في الأرض.
ورواه الترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننيهما، من حديث إسرائيل به(٨) وقال الترمذي : حسن صحيح.
وهكذا رواه أيوب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وكذا رواه العوفي، عن ابن عباس أيضا، بمثل هذا السياق بطوله، وهكذا قال الحسن البصري : إنه، عليه السلام، ما شعر بأمرهم حتى أنزل الله عليه بخبرهم.
وذكر محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن محمد بن كعب القرظي قصة خروج رسول الله ﷺ إلى الطائف ودعائه إياهم إلى الله عز وجل، وإبائهم عليه. فذكر القصة بطولها، وأورد ذلك الدعاء الحسن :" اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي " إلى آخره. قال : فلما انصرف عنهم بات بنخلة، فقرأ تلك الليلة من القرآن فاستمعه الجن من أهل نصيبين(٩).
وهذا صحيح، ولكن قوله :" إن الجن كان استماعهم تلك الليلة ". فيه نظر ؛ لأن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء، كما دل عليه حديث ابن عباس المذكور، وخروجه، عليه السلام، إلى الطائف كان بعد موت عمه، وذلك قبل الهجرة بسنة أو سنتين، كما قرره ابن إسحاق وغيره [ والله أعلم ](١٠).
وقال أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن زر(١١)، عن عبد الله بن مسعود قال : هبطوا على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا : أنصتوا. قال (١٢) صه، وكانوا تسعة(١٣) أحدهم زوبعة، فأنزل الله عز وجل :﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ إلى :﴿ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (١٤).
فهذا مع الأول من رواية ابن عباس يقتضي أن رسول الله ﷺ لم يشعر بحضورهم في هذه المرة وإنما استمعوا قراءته، ثم رجعوا إلى قومهم ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالا قوما بعد قوم، وفوجا بعد فوج، كما سيأتي بذلك الأخبار في موضعها والآثار، مما سنوردها (١٥) هاهنا إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
فأما ما رواه البخاري ومسلم جميعا، عن أبي قدامة عبيد الله بن سعيد السرخسي، عن أبي أسامة حماد بن أسامة، عن مسعر بن كدام، عن معن بن عبد الرحمن قال : سمعت أبي قال : سألت مسروقا : من آذن النبي ﷺ ليلة استمعوا القرآن ؟ فقال : حدثني أبوك - يعني ابن مسعود (١٦) - أنه آذنته بهم شجرة(١٧) - فيحتمل أن يكون هذا في المرة الأولى، ويكون إثباتا مقدما على نفي ابن عباس، ويحتمل أن يكون هذا في بعض المرات المتأخرات، والله أعلم. ويحتمل أن يكون في الأولى ولكن لم يشعر بهم حال استماعهم حتى آذنته بهم الشجرة، أي : أعلمته باستماعهم، والله أعلم.
قال الحافظ البيهقي : وهذا الذي حكاه ابن عباس رضي الله عنهما(١٨)، إنما هو في أول ما سمعت(١٩) الجن قراءة رسول الله ﷺ وعلمت حاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم، ثم بعد ذلك أتاه داعي الجن فقرأ عليهم القرآن، ودعاهم إلى الله، عز وجل، كما رواه عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه(٢٠).
ذكر الرواية عنه بذلك :
قال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا داود عن الشعبي - وابن أبي زائدة، أخبرنا داود، عن الشعبي(٢١) - عن علقمة قال : قلت لعبد الله بن مسعود : هل صحب رسول الله ﷺ ليلة الجن منكم أحد ؟ فقال : ما صحبه منا أحد، ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة، فقلنا : اغتيل ؟ استطير ؟ ما فعل ؟ قال : فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما كان في وجه الصبح - أو قال : في السحر - إذا نحن به يجيء من قبل حراء، فقلنا : يا رسول الله - فذكروا له الذي كانوا فيه - فقال :" إنه أتاني داعي الجن، فأتيتهم فقرأت عليهم ". قال : فانطلق، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم - قال : وقال الشعبي : سألوه الزاد - قال عامر : سألوه بمكة، وكانوا من جن الجزيرة، فقال :" كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما كان عليه لحما، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم - قال - فلا تستنجوا بهما، فإنهما زاد إخوانكم من الجن ".
وهكذا رواه مسلم في صحيحه، عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن علية، به نحوه(٢٢).
وقال مسلم أيضا : حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود - وهو ابن أبي هند - عن عامر قال : سألت علقمة : هل كان ابن مسعود، رضي الله عنه، شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن ؟ قال : فقال علقمة : أنا سألت ابن مسعود ؛ فقلت : هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن ؟ قال : لا ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا : استطير ؟ اغتيل ؟ قال : فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال : فقلنا : يا رسول الله، فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فقال :" أتاني داعي الجن، فذهبت معهم، فقرأت عليهم القرآن ". قال : فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال :" كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم ". قال رسول الله ﷺ :" فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم " (٢٣).
طريق أخرى عن ابن مسعود : قال أبو جعفر بن جرير : حدثني أحمد بن عبد الرحمن، حدثني عمي، حدثني يونس، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله ؛ أن بن مسعود قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :" بت الليلة أقرأ على الجن ربعا (٢٤) بالحجون " (٢٥).
طريق أخرى : فيها أنه كان معه ليلة الجن، قال ابن جرير رحمه الله : حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثنا عمي عبد الله بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي عثمان بن سنة الخزاعي - وكان من أهل الشام (٢٦) - أن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله ﷺ لأصحابه وهو بمكة :" من أحب منكم أن يحضر أمر الجن الليلة فليفعل ". فلم يحضر منهم أحد غيري، قال : فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة خط لي برجله خطا، ثم أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق حتى قام، فافتتح القرآن فغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه، حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين، حتى بقي منهم رهط، ففرغ رسول الله ﷺ مع الفجر، فانطلق فتبرز، ثم أتاني فقال :" ما فعل الرهط ؟ " فقلت : هم أولئك يا رسول الله، فأعطاهم عظما وروثا زادا، ثم نهى أن يستطيب أحد بروث أو عظم.
ورواه ابن جرير عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن أبي زرعة وهب الله بن راشد، عن يونس بن يزيد الأيلي، به (٢٧).
ورواه البيهقي في الدلائل، من حديث عبد الله بن صالح - كاتب الليث - عن الليث، عن يونس به (٢٨).
وقد روى إسحاق بن راهويه، عن جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن مسعود، فذكر نحو ما تقدم (٢٩).
ورواه الحافظ أبو نعيم، من طريق موسى بن عبيدة، عن سعيد بن الحارث، عن أبي المعلى (٣٠)، عن ابن مسعود فذكر نحوه أيضا(٣١).
طريق أخرى : قال أبو نعيم : حدثنا أبو بكر بن مالك، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي قال : حدثنا عفان وعكرمة قالا حدثنا معتمر قال : قال أبي : حدثني أبو تميمة، عن عمرو - ولعله قد يكون قال : البكالي - يحدثه عمرو، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال : استتبعني رسول الله ﷺ، فانطلقنا حتى أتينا مكان كذا وكذا، فخط لي خطا فقال :" كن بين ظهر هذه لا تخرج منها ؛ فإنك إن خرجت منها هلكت " فذكر الحديث بطوله وفيه غرابة شديدة (٣٢).
طريق أخرى : قال ابن جرير : حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير (٣٣)، عن عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي ؛ أنه قال لابن مسعود : حدثت أنك كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن ؟ قال : أجل. قال : فكيف كان ؟ فذكر الحديث كله، وذكر أن النبي ﷺ خط عليه خطا، وقال :" لا تبرح منها " فذكر مثل العَجَاجة السوداء غشيت رسول الله ﷺ، فذعر ثلاث مرات، حتى إذا كان قريبا من الصبح، أتا
١ - (١) المسند (١/١٦٧)..
٢ (٢) في م: "الحافظ الشهير"..
٣ - (٣) في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده"..
٤ - (٤) في ت، م، أ: "نبيه صلى الله عليه وسلم"..
٥ - (١) المسند (١/٢٥٢)، ودلائل النبوة للبيهقي (٢/٢٢٥)..
٦ - (٢) في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده"..
٧ - (٣) في ت، م: "فيستمعون"..
٨ - (٤) صحيح البخاري برقم (٧٧٣) وصحيح مسلم برقم (٤٤٩)، وسنن الترمذي برقم (٣٣٢٣)، والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٦٤)..
٩ - (٥) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٤١٩)..
١٠ - (٦) زيادة من ت..
١١ - (٧) في ت: "وروى أبو بكر بن أبي شيبة بسنده"..
١٢ - (٨) في ت، م: "قالوا"..
١٣ - (٩) في أ: "سبعة"..
١٤ - (١٠) ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٤٥٦) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة به، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي..
١٥ - (١) في ت: "نوردها"..
١٦ - (٢) في ت: "ابن مسعود رضي الله عنه"..
١٧ - (٣) صحيح البخاري برقم (٣٨٥٩) وصحيح مسلم برقم (٤٥٠)..
١٨ - (٤) في م، أ: "عنه"..
١٩ - (٥) في أ: "ما استمعت"..
٢٠ - (٦) دلائل النبوة للبيهقي (٢/٢٢٧)..
٢١ - (٧) في ت: "فروى الإمام أحمد بسنده"..
٢٢ - (٨) المسند (١/٤٣٦)، وصحيح مسلم برقم (٤٥٠)..
٢٣ - (١) صحيح مسلم برقم (٤٥٠)..
٢٤ - (٢) في م: "وقفا"، وفي أ: "رفعا"..
٢٥ - (٣) تفسير الطبري (٢٦/٢١) ورواه أحمد في المسند (١/٤١٦) من طريق يونس عن الزهري، به..
٢٦ - (٤) في ت: "روى مسلم وروى ابن جرير بسنده"..
٢٧ - (٥) تفسير الطبري (٢٦/٢١)..
٢٨ - (٦) دلائل النبوة للبيهقي (٢/٣٣٠)، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥٠٣) من طريق عبد الله بن صالح به، قال الذهبي: "هو صحيح عند جماعة"..
٢٩ - (٧) وفي إسناده قابوس بن أبي ظبيان، ضعفه أبو حاتم والنسائي وأحمد، وقال ابن حبان: "ينفرد عن أبيه بما لا أصل له، فربما رفع المرسل وأسند الموقوف"..
٣٠ - (١) في أ: "إسماعيل"..
٣١ - (٢) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/٨٠) من طريق موسى بن عبيدة الربذي، به..
٣٢ - (٣) لم أجده في دلائل النبوة وهو في المسند للإمام أحمد (١/٣٩٩)..
٣٣ - (٤) في ت: "روى ابن جرير بسنده"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى