التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وبعد هذا التذكير والوعيد للكافرين، بيَّن - سبحانه - جانبا من مظاهر تكريمه لنبيه - ﷺ - حيث أرسل له نفرا من الجن، يستمعون القرآن، ويؤمنون به، فقال - تعالى - :﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً... فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾.
قال القرطبى ما ملخصه : قوله - تعالى - :﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الجن...﴾ هذا توبيخ لمشركى قريش. أى : أن الجن سمعوا القرآن فآمنا به وعلموا أنه من عند الله، وأنتم معرضون مصرون على الكفر.
قال المفسرون : لما مات أبو طالب، خرج النبى - ﷺ - إلى الطائف، يلتمس من أهلها النصرة، ويدعوهم إلى الإِيمان.. أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويضحكون به..
فانصرف - ﷺ - عنهم، حتى إذا كان ببطن نخلة - وهو موضع بين مكة والطائف - قام يصلى من الليل، فمر به نفر من جن نصيبين - وهو موضع قرب الشام - فاستمعوا إليه وقالوا : أنصتوا.
وهناك روايات أخرى كثيرة فى عدد هؤلاء الجن، وفى الأماكن التى التقوا فيها مع النبى - ﷺ - عليهم، وفيمن كان مع النبى - ﷺ - خلال التقائه بهم..
ويبدو لنا من مجموع هذه الروايات أن لقاء النبى - ﷺ - بالجن قد تعدد، وأن هذه الآيات تحكى لقاء معينا، وسورة الجن تحكى لقاء آخر.
قال الآلوسى : وقد أخرج الطبرانى فى الأوسط، وابن مردويه عن الحبر، أى : عن ابن عباس أنه قال : صرفت الجن إلى رسول الله - ﷺ - مرتين.
وذكر الخفاجى أنه قد دلت الأحاديث، على أن وفادة الجن كانت ست مرات، ويجمع بذلك اختلاف الروايات فى عددهم، وفى غير ذلك.
و " النفر " على المشهور - ما بين الثلاة والعشرة من الرجال وهو مأخوذ من النفير، لأن الرجل إذا حزبه أمر نفر بعض الناس الذين يهتمون بأمره لإِغاثته.
والمعنى : واذكر - أيها الرسول الكريم - لقومك، وقت أن صرفنا إليك، ووجهنا نحوك، نفراً من الجن، يستمعون القرآن منك.
﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ﴾ أى : فحين حضروا القرى، عند تلاوة منك، أو فحين حضروا مجلسك ﴿قالوا﴾ على سبيل التناصح - ﴿أَنصِتُواْ﴾ أى : قالوا بعضهم لبعض : اسكتوا لأجل أن نستمع إلى هذا القرآن، وهذا يدل على سمو أدبهم وحرصهم على تلقى العلم.
﴿فَلَمَّا قُضِيَ﴾ أى : فحين انتهى الرسول - ﷺ - من قراءته.
﴿وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ أى : انصروفوا إلى قومهم ليخوفوهم من عذاب الله - تعالى - إذا ما عصموه أو خالفوا أمره - سبحانه -.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى