الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الجن﴾ ابتداءُ وَصْفِ قِصَّةِ الجِنِّ ووفادتهم على النبيِّ ﷺ، وقد اختلفت الرُّوَاةُ هِنَا : هَلْ هذا الجِنُّ هُمُ الوَفْدُ أوِ المُتَجَسِّسُونَ ؟ واختلفتِ الرواياتُ أيضاً عنِ ابنِ مَسْعُودٍ وغيرهِ في هذا الباب.
والتحرير في هذا أَنَّ النبيَّ ﷺ جاءه نَفَرٌ من الجِنِّ دون أَنْ يَشْعُرَ بهم، وهم المتجسِّسون المتفرِّقون من أَجْلِ رَجْمِ الشُّهُبِ الذي حَلَّ بِهِمْ، وهؤلاءِ هُمُ المرادُ بقوله تعالى :﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ﴾ [الجن: ١] ثم بعد ذلك وفد عليه وَفْدُهُمْ ؛ حَسْبَمَا وَرَدَ في ذلك من الآثار.
وقوله :﴿نَفَراً﴾ يقتضي أَنَّ المصروفين كانوا رجالاً لا أنثى فيهم، والنَّفَرُ والرَّهْطُ هم : القوم الذين لا أنثى فيهم.
وقوله تعالى :﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنصِتُواْ﴾ فيه تَأَدُّبٌ مع العلم، وتعليم كيف يُتَعَلَّمُ ﴿فَلَمَّا قُضِىَ﴾ أي : فرغ من تلاوة القرآنِ واستماع الجن، قال جابر بن عبد اللَّه وغيرُه : إنَّ النبي ﷺ لَمَّا قَرَأَ عليهم سورة «الرحمن » فكان إذَا قال :﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] قالوا : لا بشَيْءٍ مِنْ آلائك نُكَذِّبُ، رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، ولَمَّا وَلَّتْ هذه الجملةُ تفرَّقَتْ على البلاد مُنْذِرَةً لِلْجِنِّ، وقولهم :﴿إِنَّا سَمِعْنَا كتابا﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى