فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
لما بيّن سبحانه أن في الإنس من آمن، وفيهم من كفر، بيّن أيضاً أن في الجنّ كذلك، فقال :﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ الجن﴾ العامل في الظرف مقدّر : أي واذكر إذ صرفنا. أي وجهنا إليك نفراً من الجنّ، وبعثناهم إليك، وقوله :﴿يَسْتَمِعُونَ القرءان﴾ في محل نصب صفة ثانية ل ﴿نفراً﴾ أو حال لأن النكرة قد تخصصت بالصفة الأولى ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ﴾ أي حضروا القرآن عند تلاوته، وقيل : حضروا النبيّ ﷺ، ويكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة، والأول أولى ﴿قَالُواْ أَنصِتُواْ﴾ أي قال بعضهم لبعض : اسكتوا، أمروا بعضهم بعضاً بذلك ؛ لأجل أن يسمعوا ﴿فَلَمَّا قُضِىَ﴾ قرأ الجمهور ﴿قُضِيَ﴾ مبنياً للمفعول : أي فرغ من تلاوته. وقرأ حبيب بن عبيد الله بن الزبير، ولاحق بن حميد، وأبو مجلز على البناء للفاعل : أي فرغ النبيّ ﷺ من تلاوته، والقراءة الأولى تؤيد أن الضمير في ﴿حَضَرُوهُ﴾ للقرآن، والقراءة الثانية تؤيد أنه للنبيّ ﷺ ﴿وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ أي انصرفوا قاصدين إلى من وراءهم من قومهم منذرين لهم عن مخالفة القرآن، ومحذرين لهم، وانتصاب :﴿منذرين﴾ على الحال المقدّرة، أي مقدّرين الإنذار، وهذا يدل على أنهم آمنوا بالنبيّ، وسيأتي في آخر البحث بيان ذلك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن منيع، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي كلاهما في الدلائل عن ابن مسعود قال : هبطوا، يعني : الجن على النبيّ ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا : أنصتوا، قالوا : صه، وكانوا تسعة أحدهم زوبعة، فأنزل الله :﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ الجن﴾ إلى قوله :﴿ضلال مُّبِينٍ﴾. وأخرج أحمد، وابن جرير، وابن مردويه عن الزبير ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ الجن يَسْتَمِعُونَ القرءان﴾ قال : بنخلة ورسول الله ﷺ يصلي العشاء الآخرة ﴿كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ [الجن: ١٧]. وأخرج ابن جرير، والطبراني، وابن مردويه ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ الجن﴾ الآية، قال : كانوا تسعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم رسول الله ﷺ رسلاً إلى قومهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم عنه نحوه وقال : أتوه ببطن نخلة. وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه عنه أيضاً قال : صرفت الجنّ إلى رسول الله ﷺ مرّتين، وكانوا أشراف الجنّ بنصيبين. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن مسروق قال : سألت ابن مسعود من آذن النبيّ ﷺ بالجنّ ليلة استمعوا القرآن ؟ قال : آذنته بهم شجرة. وأخرج عبد بن حميد وأحمد ومسلم والترمذي عن علقمة قال : قلت لابن مسعود : هل صحب رسول الله ﷺ منكم أحداً ليلة الجنّ ؟ قال : ما صحبه منا أحد، ولكنا فقدناه ذات ليلة، فقلنا : اغتيل، استطير، ما فعل ؟ قال : فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم، فلما كان في وجه الصبح إذا نحن به يجيء من قبل حراء، فأخبرناه فقال :«إنه أتاني داعي الجنّ فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن، فانطلق فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم». وأخرج أحمد عن ابن مسعود قال : كنت مع رسول الله ﷺ ليلة الجنّ. وقد روي نحو هذا من طرق. والجمع بين الروايات بالحمل على قصتين وقعت منه ﷺ مع الجنّ حضر إحداهما ابن مسعود ولم يحضر في الأخرى. وقد وردت أحاديث كثيرة أن الجنّ بعد هذا وفدت على رسول الله ﷺ مرّة بعد مرّة، وأخذوا عنه الشرائع. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال :﴿أُوْلُواْ العزم مِنَ الرسل﴾ النبيّ ﷺ، ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى. وأخرج ابن مردويه عنه قال : هم الذين أمروا بالقتال حتى مضوا على ذلك نوح وهود وصالح وموسى وداود وسليمان. وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال : بلغني أن أولي العزم من الرسل كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر. وأخرج ابن أبي حاتم والديلمي عن عائشة قالت : ظلّ رسول الله ﷺ صائماً ثم طوى، ثم ظلّ صائماً ثم طوى، ثم ظلّ صائماً، قال :«يا عائشة إن الدين لا ينبغي لمحمد، ولا لآل محمد، يا عائشة إن الله لم يرض من أولي العزم من الرسل إلاّ بالصبر على مكروهها، والصبر عن محبوبها، ثم لم يرض مني إلاّ أن يكلفني ما كلفهم، فقال :﴿اصبر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ العزم مِنَ الرسل﴾ وإني والله لأصبرنّ كما صبروا جهدي، ولا قوّة إلاّ بالله».