فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿وَأَنزَلَ الذين ظاهروهم مّنْ أَهْلِ الكتاب﴾ أي عاضدوهم وعاونوهم على رسول الله ﷺ وهم بنو قريظة ؛ فإنهم عاونوا الأحزاب ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ، وصاروا يداً واحدة مع الأحزاب. والصياصي جمع صيصية : وهي الحصون، وكل شيء يتحصن به يقال له : صيصية، ومنه صيصية الديك، وهي الشوكة التي في رجله، وصياصي البقر قرونها ؛ لأنها تمتنع بها، ويقال : لشوكة الحائك التي يسوّي بها السداة واللحمة : صيصية، ومنه قول دريد بن الصمة :
فجئت إليه والرماح تنوشهكوقع الصياصي في النسيج المدد
ومن إطلاقها على الحصون قول الشاعر :
فأصبحت الثيران صرعى وأصبحتنساء تميم يبتدرن الصياصيا
﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب﴾ أي الخوف الشديد حتى سلموا أنفسهم للقتل وأولادهم ونساءهم للسبي وهي معنى قوله :﴿فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ فالفريق الأوّل : هم الرجال، والفريق الثاني : هم النساء والذرية، وهذه الجملة مبيّنة، ومقرّرة لقذف الرعب في قلوبهم. قرأ الجمهور ﴿تقتلون﴾ بالفوقية على الخطاب، وكذلك قرأوا ﴿تأسرون﴾، وقرأ ابن ذكوان في رواية عنه بالتحتية فيهما، وقرأ اليماني بالفوقية في الأوّل، والتحتية في الثاني، وقرأ أبو حيوة ﴿تأسرون﴾ بضم السين، وقد حكى الفراء كسر السين وضمها فهما لغتان، ووجه تقديم مفعول الفعل الأوّل وتأخير مفعول الفعل الثاني أن الرجال لما كانوا أهل الشوكة، وكان الوارد عليهم أشدّ الأمرين وهو القتل، كان الاهتمام بتقديم ذكرهم أنسب بالمقام.
وقد اختلف في عدد المقتولين والمأسورين، فقيل : كان المقتولون من ستمائة إلى سبعمائة. وقيل : ستمائة. وقيل : سبعمائة. وقيل : ثمانمائة. وقيل : تسعمائة. وكان المأسورون سبعمائة، وقيل : سبعمائة وخمسين. وقيل : تسعمائة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن مردويه عن عائشة قالت : خرجت يوم الخندق أقفو الناس، فإذا أنا بسعد بن معاذ ورماه رجل من قريش يقال له : ابن الفرقدة بسهم، فأصاب أكحله فقطعه، فدعا الله سعداً، فقال : اللهم لا تمتني حتى تقرّ عيني من قريظة، فبعث الله الريح على المشركين ﴿وَكَفَى الله المؤمنين القتال﴾ ولحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدر ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة وأمر بقبة من أدم، فضربت على سعد في المسجد، قالت : فجاء جبريل، وإن على ثناياه لوقع الغبار، فقال : أو قد وضعت السلاح ؟ لا والله ما وضعت الملائكة بعد السلاح، اخرج إلى بني قريظة فقاتلهم، فلبس رسول الله ﷺ لامته، وأذّن في الناس بالرحيل أن يخرجوا فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة، فلما اشتدّ حصرهم واشتدّ البلاء عليهم، قيل لهم : انزلوا على حكم رسول الله، قالوا : ننزل على حكم سعد بن معاذ، فنزلوا وبعث رسول الله ﷺ إلى سعد ابن معاذ، فأتي به على حمار، فقال رسول الله ﷺ :«احكم فيهم»، قال : فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم، فقال :«لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله».

تفسير هذه الآية من كتب أخرى