التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾ أى : وأورثكم الله - تعالى - أرض هؤلاء اليهود وزروعهم كما أورثكم ﴿وَدِيَارَهُمْ﴾ أى حصونهم ﴿وَأَمْوَالَهُمْ﴾ التى تركوها من خلقهم، كنقودهم ومواشيهم.
كما أورثكم ﴿وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَ﴾ بعد يقصد القتال وهى أرض خيبر، أو أرض فارس والروم.
وفى هذه الجملة الكريمة ﴿وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا﴾ بشارة عظيمة للمؤمنين، بأن الله - تعالى - سينصرهم على أعدائهم.
﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ لأنه - سبحانه - لا يعزه شئ.
أخرج الشيخان عن عائشة - رضى الله عنها - قالت : " لما رجع النبى ﷺ من الخندق، وضع السلاح واغتسل، أتاء جبريل فقال : يا محمد قد وضعت السلاح، والله ما وضعناه فاخرج إليهم فقال النبى ﷺ : فإلى أين ؟ قال : ها هنا. وأشار إلى بنى قريظة. فخرج النبى ﷺ إليهم ".
وعن ابن عمر - رضى الله عنهما - قال : " قال النبى - ﷺ - يوم الأحزاب، لا يصلين أحد العصر إلا فى بنى قريظة، فأدرك بعضهم العصر فى الطريق، فقال بعضهم : لا نصلى حتى نأتيها، وقال بعضهم : بل نصلى، فذكر ذلك للنبى ﷺ فلم يعنف أحدا.
وبعد أن حاصر المسلمون بنى قريظة خمسا وعشرين ليلة، نزلوا بعدها على حكم سعد بن معاذ - رضى الله عنه - فحكم بقتل رجالهم، وتقسيم أموالهم، وسبى نسائهم وذراريهم.
وقال الرسول ﷺ له : " لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات " ".
وإلى هنا نجد السورة الكريمة قد حدثتنا حديثا جامعا حكيما عن غزوة الأحزاب، فقد ذركت المؤمنين - أولا - بنعم الله - تعالى - عليهم، ثم صورت أحوالهم عندما أحاطت بهم جيوش الأحزاب من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم حكت ما قاله المنافقون فى تلك الساعات العصبية، وما أشاروا به على أشباههم فى النفاق، وما اعتذروا به من أعذار باطلة، وما جبلوا عليه من أخلاق قبيحة، على رأسها الجبن والخور وضعف العزيمة وفساد النية.
ثم انتقلت إلى الحديث عن المواقف المشرقة الكريمة التى وقفها المؤمنون الصادقون عندما رأوا الأحزاب، وكيف أنهم ازدادوا إيمانا على إيمانهم، ووفوا بعهودهم مع الله - تعالى - دون أن يبدلوا تبديلا.
وكا بدئت الآيات بتذكير المؤمنين بنعم الله - تعالى - عليهم، ختمت - أيضا - بهذا التذكير حيث رد الله أعداءهم عنهم دون أن ينالوا خيرا، ومكنهم من معاقبة الغادرين من اليهود.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى