التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم وجه - سبحانه - الخطاب إلى أمهات المؤمنين، فأدبهن أكمل تأديب وأمرهن بالتزام الفضائل، وباجتناب الرذائل، لأنهن القدوة لغيرهن من النساء، ولأنهن فى بيوتهن ينزل الوحى على رسول الله ﷺ فقال - تعالى - :﴿يانسآء النبي.... كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾.
فقوله - سبحانه - ﴿يانسآء النبي مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ﴾ نداء من الله تعالى - لهن. على سبيل الوعظ والارشاد والتأديب، والعناية بشأنهن لأنهن القدوة لغيرهن، والفاحشة : ما قبح من الأقوال والأفعال.
والمعنى : يا نساء النبى ﷺ من يأت منكن بمعصية ظاهرة القبح، يضاعف الله - تعالى - لها العقاب ضعيفين، لأن المعصية من رفيع الشأن تكون أشد قبحا، وأعظم جرما.
قال صاحب الكشاف : وإنما ضوعف عذابهن، لأن ما قبح من سائر النساء، كان أقبح منهن وأقبح، لأن زيادة قبح المعصية، تتبع زيادة الفضل والمرتبة.. وليس لأحد من النساء، مثل فضل نساء النبى ﷺ ولا على أحد منهن مثل ما لله عليهن من النعمة.. ولذلك كان ذم العقلاء للعاصى العالم : أشد منه للعاصى الجاهل، لأن المعصية من العالم أقبح.
وقد روى عن زين العابدين بن على بن الحسين - رضى الله عنهم - أنه قال له رجل : إنكم أهل بيت مغفور لكم، فغضب، وقال نحن أحرى أن يجرى فينا، ما أجرى الله - تعالى - على نساء نبيه ﷺ من أن لمسيئنا ضعيفين من العذاب، ولمحسننا ضعفين من الأجر.
وقوله - سبحانه - :﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ...﴾ جملة شرطية. والجملة الشرطية لا تقتضى وقوع الشرط، كما فى قوله - تعالى - :﴿وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ..﴾ وكما فى قوله - سبحانه - :﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بببيان أن منزلتهن - رضى الله عنهن - لا تمنع من وقوع العذاب بهن فى حالة ارتكابهن لما نهى الله - تعالى - عنه، فقال :﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيراً﴾ أى : وكان ذلك التضعيف للعذاب لهن، يسيرا وهينا على الله، لأنه - سبحانه - لا يصعب عليه شئ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى