البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
ثم وصاهن بما يليق بجانبهن المعظم، فقال :
﴿يا نِسَآءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَآءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ * ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ * ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾.
يقول الحق جلّ جلاله :﴿يا نساء النبي لستُنَّ كأحدٍ من النساء﴾ أي : لستن كجماعة من جماعات النساء، أي : إذا تقصيت أمة النساء، جماعةً جماعةً، لم توجد منهن جماعة واحدة تُساويكن في الفضل، فكما أنه عليه الصلاة والسلام ليس كأحد من الرجال، كما قال :" إني لسْتُ كَأَحَدِكُمْ. . . (١) ". كذلك زوجاته التي شرُفن به. وأصل " أحد " : وَحَدٍ، بمعنى : واحد، فوضع في النفي العامّ، مستوياً فيه المذكّر والمؤنّث، والواحد وما وراءه، أي : لستن في الشرف كأحد من النساء، ﴿إنِ اتقيْتنَّ﴾ مخالفةَ الله ورضا رسوله، ﴿فلا تَخْضَعْنَ بالقولِ﴾ أي : إذا كلمتن الرجال من وراء الحجاب، فلا تجئنَ بقولكنّ خاضعاً، أي : ليناً خنثاً مثل قول المُريبات، ﴿فيَطْمَع الذي في قلبه مرضٌ﴾ ريبة، وفجور، وهو جواب النهي، ﴿وقُلْنَ قولاً معروفاً﴾ حسناً مع كونه خشيناً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : علَّق الحق تعالى شرف نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتفضيلهن على سبعة أمور، ويقاس عليهن غيرهن من سائر النساء، فمَن فعل هذه الأمور حاز شرف الدنيا والآخرة. الأول : تقوى الله في السر والعلانية، وهي أساس الشرف. الثاني : التحصُّن مما يُوجب مَيْل الرجال إليهن ؛ من التخنُّث في الكلام وغيره. الثالث : لزوم البيوت والقرار بها. وقد مدح الله نساء الجنة بذلك فقال :﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمان: ٧٢]. الرابع : عدم التبرُّج، وهو إظهار الزينة حيث يحضر الرجال. الخامس : إقامة الصلاة وإتقانها وإيتاء الصدقة. السادس : طاعة الله ورسوله، ويدخل فيه طاعة الزوج. السابع : لزوم ذكر الله، وتلاوة كتابه لمن تُحسن ذلك في بيتها. فمَن فعلت من النساء هذه الأمور ؛ أذهب الله عنها دنس المعاصي والعيوب، وطهّرها تطهيراً، وأبدلها بمحاسن الأخلاق والشيم الكريمة. والله تعالى أعلم.

١ أخرجه مسلم في الصيام حديث ٥٥..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى