تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( إن المسلمين والمسلمات ) سبب نزول الآية ما روى أن أم سلمة قالت :«يا رسول الله، ما بال الرجال يذكرون في القرآن، ولا يذكر النساء، ونخشى ألا يكون فيهن خير »(١).
وفي رواية أسماء بنت عميس : قدمت من الحبشة فدخلت على نساء النبي ﷺ : وقالت لهن : هل ذكر الله تعالى النساء بخير في القرآن ؟ قلن : لا. قالت : هذا هو الخيبة والخسار، أخشى ألا يكون لله فيهن حاجة، ثم أتت النبي ﷺ وذكرت ذلك له »(٢).
وفي رواية ثالثة :«أن التي قالت ذلك أم عمارة الأنصارية، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وذكر النساء بخير كما ذكر الرجال »(٣).
قوله تعالى :( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ) قد بينا معنى الإسلام ومعنى الإيمان، وقد فرق بعض أهل السنة بين الإيمان والإسلام، ولم يفرق بعضهم. والمسألة فيها كلام كثير.
وقوله :( والقانتين والقانتات ) المطيعين والمطيعات.
وقوله :( والصادقين والصادقات ) أي الصادقين في إيمانهم، والصادقات في إيمانهن. يقال : إن المراد بالصدق هو صدق القول في جميع الأشياء.
وقوله :( والصابرين والصابرات ) أي : الصابرين على الطاعة، والصابرين عن المعصية، وكذلك معنى الصابرات.
وقال قتادة : الصبر عن المعصية أفضل من الصبر على الطاعة، وعليه الأكثرون.
وقوله :( والخاشعين والخاشعات ) أي : المتواضعين والمتواضعات. ويقال : إن المراد بالخشوع هو الخشوع في الصلاة.
وعن سعيد بن جبير قال : الخشوع في الصلاة ألا يعلم من على يمينه ولا من على يساره. وقال غيره : من الخشوع أن لا تلتفت.
وقوله :( والمتصدقين والمتصدقات ) أي : المتصدقين على الفقراء والمتصدقات عليهم.
وقوله :( والصائمين والصائمات ) معلوم. وروى عن بعضهم : من صام ثلاثة أيام في كل شهر فهو من الصائمين والصائمات، ومن تصدق في كل أسبوع بدرهم فهو من المتصدقين، ومن لم يلتفت في صلاته فهو من الخاشعين، أورده النقاش في تفسيره.
وقوله :( والحافظين فروجهم والحافظات ) أي : من ارتكاب الفواحش.
وحكى النقاش : أن من لم يزن فهو من الحافظين لفروجهم.
وقوله :( والحافظات ) أي : والحافظاتها(٤).
وقوله :( والذاكرين الله كثيرا والذاكرات ) أي : والذاكراته، قال الشاعر :
فكُمْتاً مدماة كأن متونهاجرى فوقها واستشعرتْ لَوْنُ مُذهب
يعني : جرى فوقها لون مذهب واستشعرته.
وأما الذكر الكثير، فروى عن مجاهد أنه قال : لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكره قائما وقاعدا ومضطجعا.
وروى الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال :«من قال سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، كتب من الذاكرين الله كثيرا، وتحات عنه خطاياه كما يتحات الورق عن الشجر، ونظر الله إليه، ومن نظر إليه ( لم ) (٥) يعذبه ».
وفي بعض المسانيد برواية أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال :«أيما رجل أيقظ امرأته من الليل، فقاما وتوضيا وصليا ركعتين، كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات »(٦).
وقوله :( أعد لهم مغفرة وأجرا عظيما ) أي : مغفرة للذنوب، وأجرا عظيما : هو الجنة.
١ - رواه الترمذي (٥/٢٢١ رقم ٣٠٢٢) وقال: مرسل، والنسائي في الكبرى (٦/٤٣١ رقم ١١٤٠٤-١١٤٠٥)، وأحمد (٦/٣٠١، ٣٠٥)، والطبري (٢٢/٨-٩)، والطبراني (٢٣/ رقم ٥٥٤، ٦٥٠، ٦٦٥)، والحاكم (٢/٤١٦) وصححه على شرطهما..
٢ - أورده الواحدي في أسباب النزول (٢٦٨) عن مقاتل بن حبان بلغني أن أسماء بنت عميس فذكره. وعزاه الحافظ في موافقه الخبر الخبر (٢/٢٥) لمقاتل في تفسيره..
٣ - رواه الترمذي (٥/٣٣٠ رقم ٣٢١١) وقال: حسن غريب، والطبراني في الكبير (٢٥/ رقم ٥١، ٥٢، ٥٣). وعزاه السيوطي في الدر (٥/٢١٧) للفريابي، وسعيد بن منصور، وعبيد بن حميد، وابن مردويه.
وقال الحافظ ابن حجر في موافقة الخبر الخبر (٢/٢٤): هذا حديث حسن، ورجاله رجال الصحيح، لكن اختلف في وصله وإرساله..

٤ - أي: الحافظات فروجهن. انظر القرطبي (١٤/١٨٥)..
٥ - في "ك": لا..
٦ - رواه أبو داود (٢/٣٣ رقم ١٣٠٩)، والنسائي في الكبرى (٦/٤٣٢ رقم ١١٤٠٦)، وابن ماجه (١/٤٢٣-٤٢٤ رقم ١٣٣٥)، وابن حبان في صحيحه (٦/٣٠٧-٣٠٩ رقم ٢٥٦٨، ٢٥٦٩)، والحاكم (٢/٤١٦) وصححه على شرطهما، والبيهقي (٢/٥٠١) من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة معا مرفوعا به.
ورواه أبو داود، ومن طريقه البيهقي عن أبي سعيد موقوفا.
وعزاه في الدر (٥/٢١٧) لعبد بن حميد، ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى