التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وبعد هذه التوجيهات الحكيمة لأمهات المؤمنين، ساق - سبحانه - توجيها جامعا لأمهات الفضائل، وبشر المتصفين بهذه الفضائل بالمغفرة والأجر العظيم فقال - تعالى - :﴿إِنَّ المسلمين والمسلمات﴾.
ورد فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : ما أخرجه الإِمام أحمد والنسائى وغيرهما، عن أم سلمة - رضى الله عنها - قالت : قلت للنبى ﷺ ما لنا لا نذكر فى القرآن كما يذكر الرجال ؟ قالت : فلم يرعنى منه ﷺ ذات يوم إلا نداؤه على المنبر، وهو يتلو هذه الآية :﴿إِنَّ المسلمين والمسلمات...﴾.
وأخرج الترمذى وغيره عن أم عمارة الأنصارية أنها أتت النبى ﷺ فقالت : ما أرى كل شئ إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرون بشئ، فنزلت هذه الآية.
وأخرجه ابن جرير عن قتادة قال : دخل نساء على أزواج النبى ﷺ فقلن : قد ذكركن الله - تعالى - فى القرآن، وما يذكرنا بشئ أما فينا ما يذكر، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية.
والمعنى :﴿إِنَّ المسلمين والمسلمات﴾ والإِسلام : الانقياد لأمر الله - تعالى - وإسلام الوجه له - سبحانه - وتفويض الأمر إليه وحده.
﴿والمؤمنين والمؤمنات﴾ والإِيمان : هو التصديق القلبى، والإِذعان الباطنى، لما جاء به النبى ﷺ.
﴿والقانتين والقانتات﴾ والقنوت : هو المواظبة على فعل الطاعات عن رضا واختيار.
﴿والصادقين والصادقات﴾ والصدق : والصدق : هو النطف بما يطابق الواقع، والبعد عن الكذب والقول الباطل..
﴿والصابرين والصابرات﴾ والصبر : هو توطين النفس على احتمال المكاره والمشاق فى سبيل الحق، وحبس النفس عن الشهوات.
﴿والخاشعين والخاشعات﴾ والخشوع : صفة تجعل القلب والجوارح فى حالة انقياد تام لله - تعالى - ومراقبة له، واستشعار لجلاله وهيبته.
﴿والمتصدقين والمتصدقات﴾ والتصدق : تقديم الخير إلى الغير بإخلاص، فدعا لحاجته، وعملا على عونه ومساعدته.
﴿والصائمين والصائمات﴾ والصوم : هو تقرب إلى الله - تعالى - واستعلاء على مطالب الحياة ولذائذها، من أجل التقرب إليه - سبحانه - بما يرضيه.
﴿والحافظين فُرُوجَهُمْ والحافظات﴾ وحفظ الفرج : كناية عن التعفف والتطهر والتصون عن أن يضع الإِنسان شهوته فى غير الموضع الذى أحله الله - تعالى -.
﴿والذاكرين الله كَثِيراً والذاكرات﴾ وذكر الله - تعالى - يتمثل فى النطق بما يرضيه كقراءة القرآن الكريم، والإِكثار من تسبيحه - عز وجل - وتحميده وتكبيره..
وفى شهور النفس فى كل لحظة مراقبته - سبحانه -.
هؤلاء الذين اصتفوا بهذه الصفات من الرجال والنساء ﴿أَعَدَّ الله﴾ - تعالى - ﴿لَهُم مَّغْفِرَةً﴾ واسعة لذنوبهم ﴿وَأَجْراً عَظِيماً﴾ لا يعلم مقداره إلا هو - عز وجل -.
وهكذا نجد القرآن الكريم يسوق الصفات الكريمة، التى من شأن الرجل والمرأة إذا ما اتصفا بها، أن يسعدا فى دنياهما وفى أخراهما، وأن يسعد بهما المجتمع الذى يعيشان فيه..
إنها صفات نظمت علاقة الإِنسان بربه، وبنفسه، وبغيره، تنظيما حكيما، يهدى الى الرشد، ويوصل إلى الظفر والنجاح.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى