التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن الحقوق الواجبة على المسلم نحو خالقه - عز وجل - ونحو رسوله ﷺ، وعن تأكيد إبطال عادة التبنى التى كانت منتشرة قبل نزول هذه السورة، وعن بيان الحكمة لهذا الإِبطال، وعن علاقة الرسول ﷺ بغيره من أتباعه.. فقال - تعالى - :﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ... بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾.
ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - :﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ﴾ روايات منها : " أنها نزلت فى زينب بنت جحش - رضى الله عنها - خطبها رسول الله ﷺ لزيد ابن حارثة فاستنكفت، وقالت : أنا خير منه حسبا، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية.
وفى رواية أنها قالت : يا رسول الله، لست بنكاحته، فقال رسول الله ﷺ " بل فانكحيه " فقالت : يا رسول الله، أؤامر فى نفسى ؟ فبينما هما يتحادثان، أنزل الله - تعالى هذه الآية. فقالت : يا رسول الله، قد رضيته لى زوجا ؟ قال : نعم قالت : إذا لا أعصى رسول الله ﷺ قد زوجته نفسى ".
وذكر بعضهم أنها نزلت فى أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط، وكانت أول من هاجر من النساء.. يعنى بعد صلح الحديبية، فهوهبت نفسها للنبى ﷺ، فزوجها من مولاه زيد بن حارثة، بعد فراقه لزينب فسخطت هى وأخوها وقالا : إنما أردنا رسول الله ﷺ فزوجنا عبده، فنزلت الآية بسبب ذلك، فأجابا إلى تزويج زيد.
قال ابن كثير : هذه الاية عامة فى جميع الأمور. وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشئ، فليس لأحد مخالفته، ولا اختيار لأحد هاهنا ولا رأى ولا قول، كما قال - تعالى - :﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾ وفى الحديث الشريف : " والذى نفسى بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ".
والمعنى : لا يصح ولا يحل لأى مؤمن ولا لأية مؤمنة ﴿إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ﴾ أى : إذا أراد الله ورسوله أمرا. من الأمور.
وقال - سبحانه - :﴿إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً﴾ للإِشعار، بأن ما يفعله الرسول ﷺ إنما يفعله بأمرا لله - تعالى - لأنه ﷺ لا ينطق عن الهوى.
وقوله :﴿أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ أى : لا يصح لمؤمن أو مؤمنة إذا أراد الله ورسوله أمرا، أن يختاروا ما يخالف ذلك، بل يجب عليهم أن يذعنوا لأمره ﷺ وأن يجعلوا رأيهم تابعا لرأيه فى كل شئ.
وكلمة الخِيرة : مصدر من تخيَّر، كالطِّيرَة مصدر من تَطَيَّر. وقوله :﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ متعلق بها، أو بمحذوف وقع حالا منها.
وجاء الضمير فى قوله ﴿لَهُمُ﴾ وفى قوله ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ بصيغة الجمع : رعاية للمعنى إذ أن لفظى مؤمن ومؤمنة وقعا فى سياق النفى، فيعمان كل مؤمن وكل مؤمنة.
وقوله - سبحانه - :﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً﴾ بيان لسوء عاقبة واضحا بينا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى