فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان

عن الكتاب
﴿وَمَا كَانَ﴾ أي ما صح وما استقام ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ قال القرطبي : لفظ ما كان وما ينبغي ونحوهما معناها الحظر والمنع من الشيء والإخبار بأنه لا يحل شرعا أن يكون، وقد يكون لما يمتنع عقلا كقوله :﴿ما كان لكم أن تنبتوا شجرها﴾، ومعنى الآية : أنه لا يحل لمن يؤمن بالله – إذا قضى الله أمرا – أن يختار من أمر نفسه ما شاء، بل يجب عليه أن يذعن للقضاء ويوقف نفسه تحت ما قضاه الله عليه، واختاره له، ويجعل رأيه تبعا لرأيه. وجمع الضمير في قوله لهم ومن أمرهم ؛ لأن مؤمنا وقعا في سياق النفي، فهما يعمان كل مؤمن ومؤمنة. قرئ أن يكون بالتحتية ؛ لأنه قد فرق بين الفعل وفاعله المؤنث بقوله : لهم مع كون التأنيث غير حقيقي، وقرئ بالفوقية لكونه مسندا إلى الخيرة وهي مؤنثة لفظا والخيرة مصدر بمعنى الاختيار، ودل ذلك على أن الأمر للوجوب، وقرئ بسكون التحتية وبتحريكها. ثم توعد سبحانه من لم يذعن لقضاء الله وقدره فقال :﴿وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ في أمر من الأمور ومن ذلك عدم الرضاء بالقضاء ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِينًا﴾ أي ضل عن طريق الحق ضلالا ظاهرا واضحا لا يخفى، فإن كان العصيان عصيان رد وامتناع عن القبول فهو ضلال كفر، وإن كان عصيان فعل مع قبول الأمر واعتقاد الوجوب فهو ضلال خطأ وفسق.
عن ابن عباس قال :( إن رسول الله ﷺ انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة فدخل على زينب بنت جحش الأسدية فخطبها. قالت : لست بناكحته
قال : بلى فانكحيه. قالت : يا رسول الله أؤامر نفسي، فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسوله. قالت : قد رضيته لي يا رسول الله منكحا، قال : نعم قالت : إذن لا أعصي رسول الله ( ﷺ قد أنحكته نفسي ) أخرجه ابن جرير وابن مردويه، وعنه قال : قال رسول الله ﷺ لزينب : إني أريد أن أزوجك زيد بن حارثة فإني قد رضيته لك. قالت : يا رسول الله لكني لا أرضاه لنفسي، أما أيم قومي، وبنت عمتك، فلم أكن لأفعل فنزلت هذه الآية :( وما كان لمؤمن ) يعني : زيدا ( ولا مؤمنة ) يعني زينب ( إذا قضى الله ورسوله أمرا ) يعني النكاح في هذا الموضع ( أن تكون لهم الخيرة من أمرهم )، يقول : ليس لهم الخيرة من أمرهم خلاف ما أمر الله به، قالت : قد أطعتك فاصنع ما شئت، فزوجها زيد ودخل عليها. أخرجه ابن مردويه.
وعن ابن زيد قال : نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وكانت أول امرأة هاجرت فوهبت نفسها للنبي ( ﷺ ) فزوجها زيد بن حارثة فسخطت هي وأخوها وقالا : إنما أردنا رسول الله ﷺ فزوجها عبده، وكان تزوج زيد بزينب قبل الهجرة بنحو ثمان سنين، وبعد ما طلق زيد زينب زوجه ( ﷺ ) أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وكانت وهبت نفسها للنبي ( ﷺ ) فزوجها من زيد، وكان زوجه قبلها أم أيمن وولدت له أسامة، وكانت ولادته بعد البعثة بثلاث سنين، وقيل بخمس. وفي شرح المواهب أن أم أيمن، هي بركة الحبشية بنت ثعلبة اعتقها عبد الله أبو النبي ( ﷺ )، وقيل بل اعتقها هو ( ﷺ ) وقيل : كانت لأمه أسلمت قديما وهاجرت الهجرتين ماتت بعده ( ﷺ ) بخمسة أشهر، وقيل بستة، ودلت الآية على لزوم إتباع قضاء الكتاب والسنة، وذم التقليد والرأي، وعدم خيرة الأمر في مقابلة النص من الله ورسوله ( ﷺ ) وإن كان السبب خاصا فان الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى