تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور

عن الكتاب
﴿وَإِذْ تَقُولُ للذى أَنعَمَ الله عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتق الله وَتُخْفِى فِى نِفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أن تَخْشَاهُ﴾.
و ﴿إذ﴾ اسم زمان مفعول لفعل محذوف تقديره : اذْكُر، وله نظائر كثيرة. وهو من الذكر بضم الذال الذي هو بمعنى التذكُّر فلم يأمره الله بأن يذكر ذلك للناس إذ لا جدوى في ذلك ولكنه ذَكَّر رسوله ﷺ ليُرتب عليه قوله :﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه﴾. والمقصود بهذا الاعتبارُ بتقدير الله تعالى الأسبابَ لمسبباتها لتحقيق مراده سبحانه، ولذلك قال عقبه :﴿فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها﴾ إلى قوله :﴿وكان أمر اللَّه مفعولاً﴾ وقوله :﴿وكان أمر الله قدراً مقدوراً﴾ [الأحزاب: ٣٨].
وهذا مبدأ المقصود من الانتقال إلى حكم إبطال التبنّي ودحض ما بناه المنافقون على أساسِه الباطِل بناءً على كفر المنافقين الذين غَمزوا مغامز في قضية تزوّج رسول الله ﷺ زينبَ بنت جحش بعد أن طلّقها زيد بن حارثة فقالوا : تزوج حليلة ابنه وقد نهَى عن تزوج حلائل الأبناء. ولذلك ختمت هذه القصة وتوابعها بالثناء على المؤمنين بقوله :﴿هو الذي يصلي عليكم﴾ [الأحزاب: ٤٣] الآية. وبالإِعراض عن المشركين والمنافقين وعن أذاهم.
وزيد هو المعنيُّ من قوله تعالى :﴿للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه﴾، فالله أنعم عليه بالإِيمان والخلاص من أيدي المشركين بأن يسَّر دخولَه في ملك رسوله ﷺ والرسول عليه الصلاة والسلام أنعم عليه بالعتق والتبنّي والمحبة، ويأتي التصريح باسمه العلم إثر هذه الآية في قوله :﴿فلما قضى زيد منها وطراً﴾ وهو زيد بن حارثة بن شُراحيل الكلبي من كَلْب بن وَبَرة وبنو كلب من تغلب. كانت خيل من بني القين بن جَسْر أغاروا على أبيات من بني مَعن من طيء، وكانت أم زيد وهي سعدى بنت ثعلبة من بني مَعْن خرجت به إلى قومها تَزورهم فسبقته الخيل المُغيرة وباعوه في سوق حُباشة ( بضم الحاء المهملة ) بناحية مكة فاشتراه حكيم بن حِزام لعمته خديجةَ بنت خويلد زوج رسول الله ﷺ قبل أن يتزوّجها رسول الله ﷺ فلمّا تزوجها رسول الله ﷺ وهبته خديجة لرسول الله ﷺ ( وزيد يومئذٍ ابن ثمان سنين ) وذلك قبل البعثة، فحج ناس من كلب فرأوا زيداً بمكة فعرفوه وعرفهم فأعلموا أباه ووصفوا موضعه وعند مَن هو، فخرج أبوه حارثة وعمه كعب لفدائه فدخلا مكة وكَلَّمَا النبي ﷺ في فدائه، فأتى به النبي ﷺ إليهما فعرفهما، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام :« اخترني أو اخترهما ». قال زيد : ما أنا بالذي أختار عليك أحداً، فانصرف أبوه وعمّه وطابت أنفسهما ببقائه، فلما رأى النبي ﷺ منه ذلك أخرجه إلى الحِجر وقال :« يا من حضَرَ اشهدوا أن زيداً ابني يرثني وأرثه » فصار ابناً للنبيء ﷺ على حكم التبني في الجاهلية وكان يُدعى : زيد بنَ محمد.
وكان رسول الله ﷺ زوَّجه أمَّ أيمن مولاته فولدت له أسامة بن زيد وطلقها. ثم إن رسول الله ﷺ زوّجه زينب بنت جَحش الأسدي حليف آل عبد شمس وهي ابنة عمته أُميمة بنت عبد المطلب، وهو يومئذٍ بمكة. ثم بعد الهجرة آخى النبي ﷺ بينه وبين حمزة بن عبد المطلب ولما بطل حكم التبنّي بقوله تعالى :﴿وما جعل أدعياءَكم أبناءَكم﴾ [الأحزاب: ٤] صار يُدْعى : حِبَّ رسول الله. وفي سنة خمس قبل الهجرة بعد غزوة الخندق طلق زيد بن حارثة زينب بنت جحش فزوجه رسول الله ﷺ أمَّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وأمها البيضاء بنت عبد المطلب وولدت له زيد بن زيد ورقية ثم طلّقها، وتزوج دُرَّة بنت أبي لهب، ثم طلّقها وتزوج هند بنت العوام أخت الزبير.
وشهد زيد بدراً والمغازي كلّها. وقُتل في غزوة مُؤتة سنة ثمان وهو أمير على الجيش وهو ابن خمس وخمسين سنة.
وزوجُ زيد المذكورة في الآية هي زينبُ بنت جَحْش الأسدية وكان اسمها بَرَّة فلما تزوجها النبي ﷺ سمّاها زَينب، وأبوها جحش من بني أسد بن خزيمة وكان أبوها حليفاً لآل عبد شمس بمكة وأمها أُميمة بنت عبد المطلب عمةُ رسول الله ﷺ تزّوجها زيد بن حارثة في الجاهلية ثم طلّقها بالمدينة، وتزوجها النبي ﷺ سنة خمس، وتوفيت سنة عشرين من الهجرة وعمرها ثلاث وخمسون سنة، فتكون مولودة سنة ثلاث وثلاثين قبل الهجرة، أي سنة عشرين قبل البعثة.
والإِتيان بفعل القول بصيغة المضارع لاستحضار صورة القول وتكريره مثل قوله تعالى :﴿يجادلنا في قوم لوط﴾ [هود: ٧٤] وقوله :﴿ويصنع الفلك﴾ [هود: ٣٨]، وفي ذلك تصوير لحثِّ النبي ﷺ زيداً على إمساك زوجه وأن لا يطلقها، ومعاودته عليه.
والتعبير عن زيد بن حارثة هنا بالموصول دون اسمه العَلم الذي يأتي في قوله :﴿فلما قضى زيد﴾ لما تشعر به الصلة المعطوفة وهي ﴿وأنعمت عليه﴾ من تنزه النبي ﷺ عن استعمال ولائه لحمله على تطليق زوجه، فالمقصود هو الصلة الثانية وهي ﴿وأنعمت عليه﴾ لأن المقصود منها أن زيداً أخص الناس به، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام أحرص على صلاحه وأنه أشار عليه بإمساك زوجه لصلاحها به، وأما صلة ﴿أنعم الله عليه﴾ فهي توطئة للثانية.
واعلم أن المأثور الصحيح في هذه الحادثة : أن زيد بن حارثة بقيت عنده زينب سنين فلم تلد له، فكان إذا جرى بينه وبينها ما يجري بين الزوجين تارة من خلاف أدلّت عليه بسؤددها وغضّت منه بولايته فلما تكرّر ذلك عزم على أن يطلقها وجاء يُعلم رسول الله ﷺ بعزمه على ذلك لأنه تزوجها من عنده.
وروي عن علي زين العابدين : أن الله أوحى إلى النبي ﷺ أنه سينكح زينب بنت جحش. وعن الزهري : نزل جبريل على النبي ﷺ يُعلمه أن الله زوّجه زينب بنت جحش وذلك هو ما في نفسه. وذكر القرطبي أنه مختار بكر بن العلاء القشيري(١) وأبي بكر بن العربي.
والظاهر عندي : أن ذلك كان في الرؤيا كما أُري أنه قال لعائشة : " أتاني بكِ الملك في المنام في سَرَقَة من حرير يقول لي : هذه امرأتك فأكْشِفُ فإذا هي أنتِ فأقول : إن يكن هذا من عند الله يُمضه ". فقول النبي ﷺ لزيد : " أمسك عليك زوجك " توفية بحقّ النصيحة وهو أمر نصح وإشارة بخير لا أمر تشريع لأن الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا المقام متصرف بحق الولاء والصحبة لا بصفة التشريع والرسالة، وأداء هذه الأمانة لا يتأكد أنه كان يعلم أن زينب صائرة زوجاً له لأن علم النبي بما سيكون لا يقتضي إجراءَه إرشادَه أو تشريعه بخلاف علمه أو ظنه فإن النبي ﷺ كان يعلم أن أبا جهل مثلاً لا يؤمن ولم يمنعه ذلك من أن يبلغه الرسالة ويعاوده الدعوة، ولأن رغبته في حصول شيء لا تقتضي إجراء أمره على حسب رغبته إن كانت رغبته تخالف ما يحمِل الناسَ عليه، كما كان يرغب أن يقوم أَحد بقتل عبدَ الله بنَ سعد بن أبي سرح قبل أن يسمع منه إعلانه بالتوبة من ارتداده حين جاء به عثمان بن عفان يوم الفتح تائباً.
ولذلك كله لا يعد تصميم زيد على طلاق زينب عصياناً للنبي ﷺ لأن أمره في ذلك كان على وجه التوفيق بينه وبين زوجه. ولا يلزم أحداً المصير إلى إشارة المشير كما اقتضاه حديث بريرة مع زوجها مغيث إذ قال لها :« لو راجعته ؟ فقالت : يا رسول الله تأمرني ؟ قال : لا إنما أنا أشفع، قالت : لا حاجة لي فيه ».
وقوله :﴿أمسك عليك زوجك﴾ يؤذن بأنه جواب عن كلام صدر من زيد بأن جاء زيد مستشيراً في فراق زوجه، أو معلماً بعزمه على فراقها.
و ﴿أمسك عليك﴾ معناه : لازِم عشرتها، فالإِمساك مستعار لبقاء الصحبة تشبيهاً للصاحب بالشيء الممسَك باليد.
وزيادة ﴿عليك﴾ لدلالة ( على ) على الملازمة والتمكن مثل ﴿أولئك على هدى من ربهم﴾ [البقرة: ٥] أو لتضمن ﴿أمسك﴾ معنى احبس، أي ابق في بيتك زوجك، وأمرُه بتقوى الله تابع للإِشارة بإمساكها، أي اتق الله في عشرتها كما أمر الله ولا تحِدْ عن واجب حسن المعاشرة، أي اتق الله بملاحظة قوله تعالى :﴿فإمساك بمعروف﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وجملة ﴿وتخفى في نفسك ما الله مبديه﴾ عطف على جملة ﴿تقول﴾. والإِتيان بالفعل المضارع في قوله :﴿وتخفي﴾ للدلالة على تكرر إخفاء ذلك وعدم ذكره والذي في نفسه علمه بأنه سيتزوج زينب وأن زيداً يُطَلّقها وذلك سرّ بينه وبين ربّه ليس مما يجب عليه تبليغه ولا مما للناس فائدة في علمه حتى يبلَّغوه ؛ ألا ترى أنه لم يُعلم عائشة ولا أباهَا برؤيا إتياننِ الملَك بها في سَرَقةٍ من حرير إلا بعد أن تزوجها.
فما صْدَقُ « ما في نفسك » هو التزوج بزينب وهو الشيء الذي سيبديه الله لأن الله أبدى ذلك في تزوج النبي ﷺ بها ولم يكن أحد يعلم أنه سيتزوجها ولم يُبْدِ الله شيئاً غير ذلك، فلزم أن يكون ما أخفاه في نفسه أمراً يصلح للإظهار في الخارج، أي أن يكون من الصور المحسوسة.
وليست جملة ﴿وتخفي في نفسك﴾ حالاً من الضمير في ﴿تقول﴾ كما جعله في « الكشاف » لأن ذلك مبني على توهم أن الكلام مسوق مساق العتاب على أن يقول كلاماً يخالف ما هو مخفيّ في نفسه ولا يستقيم له معنى، إذ يفضي إلى أن يكون اللائق به أن يقول له غير ذلك وهو ينافي مقتضى الاستشارة، ويفضي إلى الطعن في صلاحية زينب للبقاء في عصمة زيد، وقد استشعر هذا صاحب « الكشاف » فقال :« فإن قلت فماذا أراد الله منه أن يقوله حين قال له زيد : أُريدُ مفارقتها، وكان من الهُجنة أن يقول له : افعَلْ فإني أريد نكاحَها. قلت : كأنَّ الذي أراد منه عز وجل أن يصمُت عند ذلك أو يقول : أنتَ أعلم بشأنك حتى لا يخالف سِرّه في ذلك علانيته » ا هـ وهو بناء على أساس كونه عتاباً وفيه وهَن.
وجملة ﴿وتخشى الناس﴾ عطف على جملة ﴿وتخفي في نفسك﴾، أي تخفي ما سيبديه الله وتخشى الناس من إبدائه.
والخشية هنا كراهية ما يرجف به المنافقون، والكراهةُ من ضروب الخشية إذ الخشية جنس مقول على أفراده بالتشكيك فليست هي خشية خوف، إذ النبي ﷺ لم يكن يخاف أحداً من ظهور تزوجه بزينب، ولم تكن قد ظهرت أراجيف المنافقين بعدُ، ولكن النبي ﷺ كان يتوسم من خبثهم وسوء طويتهم ما يبعثهم على القالة في الناس لفتنة الأمة، فكان يعلم ما سيقولونه ويمتعض منه، كما كان منهم في قضية الإِفك، ولم تكن خشيةً تبلغ به مبلغَ صرفه عما يرغبه بدليل أنه لم يتردد في تزوج زينب بعد طلاق زيد، ولكنها استشعار في النفس وتقدير لما سيرجفه المنافقون.
والتعريف في ﴿الناس﴾ للعهد، أي تخشى المنافقين، أي يؤذوك بأقوالهم.
وجملة ﴿والله أحق أن تخشاه﴾ معترضة لمناسبة جريان ذكر خشية الناس، والواو اعتراضية وليست واو الحال، فمعنى الآية معنى قوله تعالى :﴿فلا تخشوا الناس واخشون﴾ [المائدة: ٤٤]. وحملها على معنى الحال هو الذي حمل كثيراً من المفسرين على جعل الكلام عتاباً للنبيء ﷺ.
١  هو من المالكية، توفي سنة ٣٤٤. ترجمه في المدارك..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى