مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي

عن الكتاب
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِى أَنعَمَ الله عَلَيْهِ﴾ بالإسلام الذي هو أجل النعم ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالإعتاق والتبني فهو متقلب في نعمة الله ونعمة رسوله وهو زيد بن حارثة ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ زينب بنت جحش، وذلك أن رسول الله ﷺ أبصرها بعدما أنكحها إياه فوقعت في نفسه فقال :" «سبحان الله مقلب القلوب » " وذلك أن نفسه كانت تجفو عنها قبل ذلك لا تريدها، وسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد ففطن وألقى الله في نفسه كراهة صحبتها والرغبة عنها لرسول الله فقال لرسول الله ﷺ : إني أريد أن أفارق صاحبتي، فقال :" مالك أرابك منها شيء ؟ » " قال :" «لا والله ما رأيت منها إلا خيراً ولكنها تتعظم علي لشرفها وتؤذيني فقال له : أمسك عليك زوجك » " ﴿واتق الله﴾ فلا تطلقها. وهو نهي تنزيه إذ الأولى أن لا يطلق أو واتق الله فلا تذمها بالنسبة إلى الكبر وأذى الزوج ﴿وَتُخْفِى فِى نِفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ﴾ أي تخفي في نفسك نكاحها إن طلقها زيد وهو الذي أبداه الله تعالى. وقيل : الذي أخفى في نفسه تعلق قلبه بها ومودة مفارقة زيد إياها. والواو في ﴿وَتُخْفِى فِى نِفْسِكَ﴾ ﴿وَتَخْشَى الناس﴾ أي قالة الناس إنه نكح امرأة ابنه ﴿والله أَحَقُّ أَن تخشاه﴾ واو الحال أي تقول لزيد أمسك عليك زوجك مخفياً في نفسك إرادة أن لا يمسكها وتخفي خاشياً قالة الناس وتخشى الناس حقيقاً في ذلك بأن تخشى الله. وعن عائشة رضي الله عنها : لو كتم رسول الله ﷺ شيئاً مما أوحي إليه لكتم هذه الآية.
﴿فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مّنْهَا وَطَراً﴾ الوطر الحاجة فإذا بلغ البالغ حاجته من شيء له فيه همة. قيل : قضى منه وطره، والمعنى فلما لم يبق لزيد فيها حاجة وتقاصرت عنها همته وطلقها وانقضت عدتها ﴿زوجناكها﴾. روي أنها لما اعتدت قال رسول الله ﷺ لزيد« :" ما أجد أحداً أوثق في نفسي منك : أخطب عليّ زينب » " قال زيد : فانطلقت وقلت : يا زينب أبشري إن رسول الله ﷺ يخطبك ففرحت وتزوجها رسول الله ﷺ ودخل بها وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها، ذبح شاة وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد النهار ﴿لِكَىْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ فِى أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً﴾ قيل : قضاء الوطر إدراك الحاجة وبلوغ المراد منه ﴿وَكَانَ أَمْرُ الله﴾ الذي يريد أن يكونه ﴿مَفْعُولاً﴾ مكوناً لا محالة وهو مثل لما أراد كونه من تزويج رسول الله ﷺ زينب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى