زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي
عن الكتاب
وقال ابن زيد : جاء رسول الله ﷺ إلى باب زيد- وعلى الباب ستر من شعر- فرفعت الريح الستر، فرأى زينب، فلما وقعت في قلبه كرهت إلى الآخر، فجاء فقال : يا رسول الله أريد فراقها، فقال له :" اتق الله ". وقال مقاتل : لما فطن زيد لتسبيح رسول الله ﷺ، قال : يا رسول الله ائذن لي في طلاقها، فإن فيها كبرا، فهي تعظم علي وتؤذيني بلسانها، فقال له النبي ﷺ :" أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ". ثم إن زيدا طلقها بعد ذلك، فأنزل الله تعالى :﴿وَإِذْ تَقُولُ للذي أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ بالإسلام ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالعتق.
قوله تعالى :﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ أي : في أمرها فلا تطلقها ﴿وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ﴾ أي : تسر وتضمر في قلبك ﴿مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ أي : مظهره ؛ وفيه أربعة أقوال :
أحدها : حبها، قاله ابن عباس.
والثاني : عهد عهده الله إليه أن زينب ستكون له زوجة، فلما أتى زيد يشكوها، قال له :" أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ "، وأخفى في نفسه ما الله مبديه، قاله علي بن الحسين.
والثالث : إيثاره لطلاقها، قاله قتادة، وابن جريج، ومقاتل.
والرابع : أن الذي أخفاه : إن طلقها زيد تزوجتها، قاله ابن زيد.
قوله تعالى :﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أنه خشي اليهود أن يقولوا : تزوج محمد امرأة ابنه، رواه عطاء عن ابن عباس.
والثاني : أنه خشي لوم الناس أن يقولوا : أمر رجلا بطلاق امرأته، ثم نكحها.
قوله تعالى :﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَهُ﴾ أي : أولى أن تخشى في كل الأحوال. وليس المراد أنه لم يخش في هذه الحال، ولكن لما كان لخشيته بالخلق نوع تعلق، قيل له : الله أحق أن تخشى منهم. قالت عائشة : ما نزلت على رسول الله ﷺ آية هي أشد عليه من هذه الآية، ولو كتم شيئا من الوحي لكتمها.
وقد ذهب بعض العلماء إلى تنزيه رسول الله من حبها وإيثاره طلاقها. وإن كان ذلك شائعا في التفسير. قالوا : وإنما عوتب في هذه القصة على شيئين :
أحدهما : أنه أخبر بأنها ستكون زوجة له، فقال لزيد :﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ فكتم ما أخبره الله به من أمرها حياء من زيد أن يقول له : إن زوجتك ستكون امرأتي ؛ وهذا يخرج على ما ذكرنا عن علي بن الحسين، وقد نصره الثعلبي، والواحدي.
والثاني : أنه لما رأى اتصال الخصومة بين زيد وزينب، ظن أنهما لا يتفقان وأنه سيفارقها، وأضمر أنه إن طلقها تزوجتها صلة لرحمها، وإشفاقا عليها، وأنها كانت بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب، فعاتبه الله على إضمار ذلك وإخفائه حين قال لزيد :﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾، وأراد منه أن يكون ظاهره وباطنه عند الناس سواء كما قيل له في قصة رجل أراد قتله : هلا أومأت إلينا بقتله ؟ فقال :" ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين "، ذكر هذا القول القاضي أبو يعلى رحمه الله عليه.
قوله تعالى :﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مّنْهَا وَطَراً﴾ قال الزجاج : الوطر : كل حاجة لك فيها همة، فإذا بلغها البالغ قيل : قد قضى وطره. وقال غيره : قضاء الوطر في اللغة : بلوغ منتهى ما في النفس من الشيء، ثم صار عبارة عن الطلاق، لأن الرجل إنما يطلق امرأته إذا لم يبق له فيها حاجة. والمعنى : لما قضى زيد حاجته من نكاحها ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾، وإنما ذكر قضاء الوطر هاهنا ليبين أن امرأة المتبني تحل وإن وطئها، وهو قوله :﴿لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً﴾ ؛ والمعنى : زوجناك زينب- وهي امرأة زيد الذي تبنيته- لكيلا يظن أن امرأة المتبني لا يحل نكاحها. وروى مسلم في أفراده من حديث أنس بن مالك قال : لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ لزيد :" اذهب فاذكرها علي "، قال زيد : فانطلقت، فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها، لأن رسول الله ﷺ ذكرها، فوليتها ظهري، ونكصت على عقبي، وقلت : يا زينب، أرسلني رسول الله ﷺ يذكرك، قالت : ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن.
وذكر أهل العلم : أن من خصائص رسول الله ﷺ أنه أجيز له التزويج بغير مهر، ليخلص قصد زوجاته لله دون العوض، وليخفف عنه، وأجيز له التزويج بغير وليّ، لأنه مقطوع بكفاءته، وكذلك هو مستغن في نكاحه عن الشهود. وكانت زينب تفاخر نساء النبي ﷺ وتقول : زوجكن أهلوكن، وزوجني الله عز وجل.
قوله تعالى :﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ أي : في أمرها فلا تطلقها ﴿وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ﴾ أي : تسر وتضمر في قلبك ﴿مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ أي : مظهره ؛ وفيه أربعة أقوال :
أحدها : حبها، قاله ابن عباس.
والثاني : عهد عهده الله إليه أن زينب ستكون له زوجة، فلما أتى زيد يشكوها، قال له :" أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ "، وأخفى في نفسه ما الله مبديه، قاله علي بن الحسين.
والثالث : إيثاره لطلاقها، قاله قتادة، وابن جريج، ومقاتل.
والرابع : أن الذي أخفاه : إن طلقها زيد تزوجتها، قاله ابن زيد.
قوله تعالى :﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أنه خشي اليهود أن يقولوا : تزوج محمد امرأة ابنه، رواه عطاء عن ابن عباس.
والثاني : أنه خشي لوم الناس أن يقولوا : أمر رجلا بطلاق امرأته، ثم نكحها.
قوله تعالى :﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَهُ﴾ أي : أولى أن تخشى في كل الأحوال. وليس المراد أنه لم يخش في هذه الحال، ولكن لما كان لخشيته بالخلق نوع تعلق، قيل له : الله أحق أن تخشى منهم. قالت عائشة : ما نزلت على رسول الله ﷺ آية هي أشد عليه من هذه الآية، ولو كتم شيئا من الوحي لكتمها.
فصل
وقد ذهب بعض العلماء إلى تنزيه رسول الله من حبها وإيثاره طلاقها. وإن كان ذلك شائعا في التفسير. قالوا : وإنما عوتب في هذه القصة على شيئين :
أحدهما : أنه أخبر بأنها ستكون زوجة له، فقال لزيد :﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ فكتم ما أخبره الله به من أمرها حياء من زيد أن يقول له : إن زوجتك ستكون امرأتي ؛ وهذا يخرج على ما ذكرنا عن علي بن الحسين، وقد نصره الثعلبي، والواحدي.
والثاني : أنه لما رأى اتصال الخصومة بين زيد وزينب، ظن أنهما لا يتفقان وأنه سيفارقها، وأضمر أنه إن طلقها تزوجتها صلة لرحمها، وإشفاقا عليها، وأنها كانت بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب، فعاتبه الله على إضمار ذلك وإخفائه حين قال لزيد :﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾، وأراد منه أن يكون ظاهره وباطنه عند الناس سواء كما قيل له في قصة رجل أراد قتله : هلا أومأت إلينا بقتله ؟ فقال :" ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين "، ذكر هذا القول القاضي أبو يعلى رحمه الله عليه.
قوله تعالى :﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مّنْهَا وَطَراً﴾ قال الزجاج : الوطر : كل حاجة لك فيها همة، فإذا بلغها البالغ قيل : قد قضى وطره. وقال غيره : قضاء الوطر في اللغة : بلوغ منتهى ما في النفس من الشيء، ثم صار عبارة عن الطلاق، لأن الرجل إنما يطلق امرأته إذا لم يبق له فيها حاجة. والمعنى : لما قضى زيد حاجته من نكاحها ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾، وإنما ذكر قضاء الوطر هاهنا ليبين أن امرأة المتبني تحل وإن وطئها، وهو قوله :﴿لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً﴾ ؛ والمعنى : زوجناك زينب- وهي امرأة زيد الذي تبنيته- لكيلا يظن أن امرأة المتبني لا يحل نكاحها. وروى مسلم في أفراده من حديث أنس بن مالك قال : لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ لزيد :" اذهب فاذكرها علي "، قال زيد : فانطلقت، فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها، لأن رسول الله ﷺ ذكرها، فوليتها ظهري، ونكصت على عقبي، وقلت : يا زينب، أرسلني رسول الله ﷺ يذكرك، قالت : ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن.
وذكر أهل العلم : أن من خصائص رسول الله ﷺ أنه أجيز له التزويج بغير مهر، ليخلص قصد زوجاته لله دون العوض، وليخفف عنه، وأجيز له التزويج بغير وليّ، لأنه مقطوع بكفاءته، وكذلك هو مستغن في نكاحه عن الشهود. وكانت زينب تفاخر نساء النبي ﷺ وتقول : زوجكن أهلوكن، وزوجني الله عز وجل.