محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي
عن الكتاب
ثم وصف شأنه بقوله :﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾ أي أحكامه وأوامره ونواهيه ويصدعون بها ﴿وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ أي لا يخافون قالة الناس ولائمتهم ولا يبالون بها في تشريعه ولا ريب أن سيد الناس في هذا المقام، بل وفي كل مقام حضرة نبينا عليه الصلاة والسلام. كما علم من قيامه بالتبليغ بالقول والفعل أبلغ قيام ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أي حافظا لأعمال خلقه. وكافيا للمخاوف.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: تنبيهان في لطائف هذه القصة وفوائدها الباهرات :
الأول – لم تختلف الروايات أنها نزلت في قصة زيد بن حارثة، وزوجه زينب بنت جحشّ. ورواه البخاري (١) عن أنس في التفسير. ورواه عنه في التوحيد قال :( جاء زيد بن حارثة يشكوا فجعل النبي ﷺ يقول : اتق الله وامسك عليك زوجك. وأخرجه (٢)أحمد بلفظ :( أتى رسول الله ﷺ منزل زيد بن حارثة. فجاءه زيد يشكوها إليه. فقال له : أمسك زوجك واتق الله. فنزلت ).
وقد أخرج ابن أبي حاتم هذه القصة من طريق السدي. فساقها سياقا حسنا واضحا ولفظه : بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ وكان رسول الله ﷺ أراد أن يزوجها زيد بن حارثة مولاه فكرهت ذلك، ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله ﷺ، فزوجها إياه، ثم أعلم الله عز وجل نبيه ﷺ بعد، أنها من أزواجه. فكان يستحيي أن يأمره بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس، فأمره رسول الله ﷺ أن يمسك عليه زوجه، وأن يتقي الله. وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه ويقولوا تزوج امرأة ابنه. وكان قد تبنى زيدا ).
وعنده من طريق علي بن زيد بن جدعان عن علي بن الحسين بن علي، قال :( أعلم الله نبيه ﷺ أن زينب ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها فلما أتاه زيد يشكوها إليه، وقال له : اتق الله وأمسك عليك زوجك. قال الله تعالى : قد أخبرتك أني مزوجكها، وتخفي في نفسك ما الله مبديه ).
قال الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) بعد نقل ما تقدم : ووردت آثار أخرجها بن أبي حاتم والطبري، ونقلها كثير من المفسرين، لا ينبغي التشاغل بها. والذي أوردته منها هو المعتمد. انتهى.
وقال الحافظ ابن كثير : ذكر ابن أبي حاتم وابن جرير ها هنا آثارا، أحببنا أن نضرب عنها صفحا، لعدم صحتها، فلا نوردها. انتهى.
الثاني – قال القاضي عياض رحمه الله في ( الشفا ) في بحث أقواله ﷺ الدنيوية : ولا يجوز عليه ﷺ أن يأمر أحدا بشيء أو ينهى أحدا عن شيء، وهو يبطن خلافه وقد قال عليه السلام (٣) :( ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين، فكيف أن تكون له خائنة قلب ؟ ) فإن قلت : فما معنى قوله في قصة زيد ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه﴾ الآية. فاعلم أكرمك الله ولا تسترب في تنزيه النبي عليه السلام عن هذا الظاهر، وأن يأمر زيدا بإمساكها وهو يحب تطليقه إياها، ذكر عن جماعة من المفسرين. وأصح ما في هذا ما حكاه أهل التفسير عن علي بن حسين. أن الله تعالى كان أعلم نبيه أن زينب ستكون من أزواجه. فلما شكاها إليه زيد، قال له النبي ﷺ :( أمسك عليك زوجك واتق الله، وأخفى منه في نفسه ما أعلمه الله به أنه سيتزوجها مما الله مبديه ومظهره بتمام التزويج وطلاق زيد لها ).
وروى نحوه عمر بن قائد عن الزهري قال :( نزل جبريل عليه السلام على النبي ﷺ يعلمه أن الله يزوجه زينب بنت جحش ). فذلك الذي أخفى في نفسه، ويصحح هذا قول المفسرين في قوله بعد هذا ﴿وكان أمر الله مفعولا﴾ أي لا بد لك أن تتزوجها. ويوضح هذا أن الله لم يبد من أمره معها غير زواجه لها.
فدل أنه الذي أخفاه عليه السلام، مما كان أعلمه به تعالى، وقوله تعالى في القصة :﴿مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ دل على أنه لم يكن عليه حرج في الأمر. ولو كان على ما قيل من وقوعها في قلبه، ومحبة طلاق زيد لها، لكان فيه أعظم الحرج. وكيف يقال : رآها فأعجبته وهي بنت عمته. ولم يزل يراها منذ ولدت. ولا كان النساء يحتجبن منه عليه السلام، وهو زوجها لزيد، وإنما جعل الله طلاق زيد لها. وتزويج النبي ﷺ إياها. لإزالة حرمة التبني وإبطال سببه. كما قال (٤) :﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم﴾ وقال :﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ قال ابن فورك : وليس معنى الخشية هنا الخوف. وإنما معناه الاستحياء. أي يستحيي منهم أن يقولوا تزوج زوجة ابنه. وأن خشيته عليه السلام من الناس كانت من إرجاف المنافقين واليهود، وتشغيبهم على المسلمين بقولهم : تزوج زوجة ابنه بعد نهيه عن نكاح حلائل الأبناء، كما كان. فعتبه الله تعالى على هذا، أو نزهه عن الالتفات إليهم فيما أحله له. كما عتبه على مراعاة رضا أزواجه في سورة التحريم (٥) بقوله :﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ الآية. كذلك قوله ها هنا. انتهى ملخصا.
الثالث – قال الإمام ابن حزم في ( الفصل ) يرد على من استدل بمثل هذه الآية على جواز وقوع الصغائر من الأنبياء، ما مثاله : وأما قوله تعالى :﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ الآية فقد أنفنا من ذلك. إذ لم يكن فيه معصية أصلا ولا خلاف فيما أمره الله تعالى به وأن ما كان أراده زواج. مباح له فعله ومباح له تركه ومباح له طيه ومباح له إظهاره. وإنما خشي النبي ﷺ الناس في ذلك خوف أن يقولوا قولا ويظنوا ظنا فيهلكوا كما قال عليه السلام (٦) للأنصاريين :( إنها صفية ). فاستعظمنا ذلك، فأخبرهما النبي ﷺ أنه إنما يخشى أن يلقي الشيطان في قلوبهما شيئا. وهذا الذي خشيه عليه السلام على الناس من هلاك أديانهم، بظن يظنونه به عليه السلام، وهو الذي يحققه هؤلاء المخذولون المخالفون لنا في هذا الباب. وكان مراد الله عز وجل أن يبدي ما في نفسه، لما كان سلف في علمه من السعادة لأمنا زينب رضي الله عنها. انتهى.
الرابع – للإمام مفتي مصر رحمه الله مقالة على هذه الآية. رأيت نقلها هنا تعزيزا لما سلف، وإيقافا من أسرار الآية على نخب ما وصف.
قال رحمه الله : نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش. وهي بنت عمته ﷺ أميمة بنت عبد المطلب. وقد خطبها الرسول على مولاه زيد بن حارثة. فأبت وأبى أخوها عبد الله بن جحش فنزلت آية (٧) :﴿وما كان لمؤمن﴾ الخ، فلما نزلت الآية قالا :( رضينا يا رسول الله ). فأنكحها إياه. وساق عنه إليها مهرها ستين درهما وخمارا وملحفة ودرعا وإزارا وخمسين مدا من طعام، وثلاثين صاعا من تمر. كذا يروى.
فنحن من جهة، نرى أن زينب كانت بنت عمة النبي ﷺ، ربيت تحت نظره وشملها من عنايته ما يشمل البنت مع والدها لأول الأمر. حتى أنه اختارها لمولاه زوجة. مع إباءها وإباء أخيها وعد إباءها هذا عصيانا. ولا زالت كذلك حتى نزل في شأنها قرآن. فكأنه أرغمها على زواجه، لما ألهمه الله من المصلحة لها وللمسلمين في ذلك. ولو كان للجمال سلطان على قلبه ﷺ، لكان أقوى سلطانه عليه جمال البكر في روائه، ونضرة جدته، وقد كان يراها ولم يكن بينه وبينها حجاب. ولا يخفى عليه شيء من محاسنها الظاهرة. ولكنه لم يرغبها لنفسه، ورغبها لمولاه، فكيف يمتد نظره إليها، ويصيب قلبه سهم حبها، بعد أن صارت زوجة لعبد من عبيده أنعم عليه بالعتق والحرية ؟ لم يعرف فيما يغلب على مألوف البشر، أن تعظم شهوة القريب وولعه بالقريب، إلى أن تبلغ حد العشق، خصوصا إذا كان عشيره منذ صغره. بل المألوف زهادة الأقرباء بعضهم في بعض. متى تعود بعضهم النظر إلى بعض، من بداية السن إلى أن يبلغ حدا منه يجول فيه نظر الشهوة. فكيف يظن أو يتوهم أن النبي ﷺ الذي يقول الله له (٨) :﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا﴾ يخالف مألوف العادة، ثم يخالف أمر الله في ذلك ؟ أم كيف يخطر بالبال أن من عصم الله قلبه عن كل دنيئة، يغلب عليه سلطان شهوة في بنت عمته، بعد أن زوجها بنفسه لعبد من عبيده ؟ ومن جهة أخرى نرى أن النبي ﷺ، وهو الرؤوف الرحيم، لم يبال بإباء زينب ورغبتها عن زيد، وقد كان لا يخفى عليه أن نفور قلب المرأة من زوجها مما تسوء معه العشرة وتفسد به شئون المعيشة. فما كان له – وهو سيد المصلحين – أن يرغم امرأة على الاقتران برجل وهي لا ترضاه، مع ما في ذلك من الضرر الظاهر بكل من الزوجين. لا ريب أننا نجد من ذلك هاديا إلى وجه الحق في فهم الآية التي نحن بصدد تفسيرها. ذلك أن التصاق الأدعياء بالبيوت واتصالهم بأنسابها، كان أمرا تدين به العرب وتعده أصلا يرجع إليه في الشرف والحسب. وكانوا يعطون الدعي جميع حقوق الابن، ويجرون له وعليه جميع الأحكام التي يعتبرونها للابن، حتى في الميراث وحرمة النسب وهي عقيدة جاهلية رديئة. أراد الله محوها بالإسلام، حتى لا يعرف من النسب إلا الصريح ولا يجري من أحكامه إلا ما له أساس صحيح. لهذا أنزل الله (٩) :﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ثم قال (١٠) :﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ الخ فهذا العدل الإلهي، أن لا ينال حق الابن إلا من يكون ابنا. أما المتبنى واللصيق فلا يكون له إلا حق المولى والأخ في الدين. فحرم الله على المسلمين أن ينسبوا الدعي لمن تبناه. وحظر عليهم أن يقتطعوا له شيئا من حقوق الابن لا قليلا ولا كثيرا. وشدد الأمر حتى قال (١١) :﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ فهو يعفو عن اللفظة تصدر من غير قصد بأن يقول الرجل لآخر : هذا ابني. أو ينادي شخص آخر بمثل ذلك. لا عن قصد التبني. ولكنه لا يعفو عن العمد في ذلك والذي يقصد منه الإلصاق بتلك اللحمة كما كان معروفا من قبل. مضت سنة الله في خلقه، أن ما رسخ في النفس بحكم العادة، لا يسهل عليها التفصي منه. ولا يقدر على ذلك إلا من رفعه الله فوق العادات، وأعتقه من رق الشهوات، وجعل همته فوق المألوفات. فلا يطيبه ( أي يستميله ) إلا الحق. ولا يحكم عليه إلف، ولا يغلبه عرف. ذلك هو النبي ﷺ، ومن يختصه الله بالتأسي به. لهذا، كان الأمر، إذا نهى الله عن مكروه كانت الجاهلية عليه، أو أحل شيئا كانت الجاهلية تحرمه، بادر النبي ﷺ إلى امتثال النهي بالكف عن المنهي عنه، والإتيان بضده. وسارع إلى تنفيذ الأمر بإتيان المأمور به، حتى يكون قدوة حسنة، ومثالا صالحا تحاكيه النفوس، وتحتذيه الهمم، وحتى يخف وزر العادة وتخلص العقول من ريب الشبهة. نادى ﷺ (١٢) : في حجة الوداع بحرمة الربا. وأول الربا وضعه ربا عمه العباس. حتى يرى الناس صنيعه بأقرب الناس إليه وأكرمهم عليه، فيسهل عليهم ترك مالهم، وتنقطع وساوس الشيطان من صدورهم، على هذا السنن الإلهي كان عمل النبي ﷺ في أمر زينب، كبر على العرب أن يفصلوا عن أهلهم من ألصقوه بأنسابهم من أدعيائهم كما دل عليه قوله تعالى (١٣) :﴿وتخشى الناس﴾ الخ فعمد النبي ﷺ، على سنته، إلى خرق العادة بنفسه. وما كان ينبغي له، ولا من مقتضى الحكمة، أن يكلف أحد الأدعياء الأباعد عنه، أن يتزوج ثم يأمره بالطلاق ثم يأمر من كان قد تبناه أن يتزوج مطلقته.
الأول – لم تختلف الروايات أنها نزلت في قصة زيد بن حارثة، وزوجه زينب بنت جحشّ. ورواه البخاري (١) عن أنس في التفسير. ورواه عنه في التوحيد قال :( جاء زيد بن حارثة يشكوا فجعل النبي ﷺ يقول : اتق الله وامسك عليك زوجك. وأخرجه (٢)أحمد بلفظ :( أتى رسول الله ﷺ منزل زيد بن حارثة. فجاءه زيد يشكوها إليه. فقال له : أمسك زوجك واتق الله. فنزلت ).
وقد أخرج ابن أبي حاتم هذه القصة من طريق السدي. فساقها سياقا حسنا واضحا ولفظه : بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ وكان رسول الله ﷺ أراد أن يزوجها زيد بن حارثة مولاه فكرهت ذلك، ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله ﷺ، فزوجها إياه، ثم أعلم الله عز وجل نبيه ﷺ بعد، أنها من أزواجه. فكان يستحيي أن يأمره بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس، فأمره رسول الله ﷺ أن يمسك عليه زوجه، وأن يتقي الله. وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه ويقولوا تزوج امرأة ابنه. وكان قد تبنى زيدا ).
وعنده من طريق علي بن زيد بن جدعان عن علي بن الحسين بن علي، قال :( أعلم الله نبيه ﷺ أن زينب ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها فلما أتاه زيد يشكوها إليه، وقال له : اتق الله وأمسك عليك زوجك. قال الله تعالى : قد أخبرتك أني مزوجكها، وتخفي في نفسك ما الله مبديه ).
قال الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) بعد نقل ما تقدم : ووردت آثار أخرجها بن أبي حاتم والطبري، ونقلها كثير من المفسرين، لا ينبغي التشاغل بها. والذي أوردته منها هو المعتمد. انتهى.
وقال الحافظ ابن كثير : ذكر ابن أبي حاتم وابن جرير ها هنا آثارا، أحببنا أن نضرب عنها صفحا، لعدم صحتها، فلا نوردها. انتهى.
الثاني – قال القاضي عياض رحمه الله في ( الشفا ) في بحث أقواله ﷺ الدنيوية : ولا يجوز عليه ﷺ أن يأمر أحدا بشيء أو ينهى أحدا عن شيء، وهو يبطن خلافه وقد قال عليه السلام (٣) :( ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين، فكيف أن تكون له خائنة قلب ؟ ) فإن قلت : فما معنى قوله في قصة زيد ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه﴾ الآية. فاعلم أكرمك الله ولا تسترب في تنزيه النبي عليه السلام عن هذا الظاهر، وأن يأمر زيدا بإمساكها وهو يحب تطليقه إياها، ذكر عن جماعة من المفسرين. وأصح ما في هذا ما حكاه أهل التفسير عن علي بن حسين. أن الله تعالى كان أعلم نبيه أن زينب ستكون من أزواجه. فلما شكاها إليه زيد، قال له النبي ﷺ :( أمسك عليك زوجك واتق الله، وأخفى منه في نفسه ما أعلمه الله به أنه سيتزوجها مما الله مبديه ومظهره بتمام التزويج وطلاق زيد لها ).
وروى نحوه عمر بن قائد عن الزهري قال :( نزل جبريل عليه السلام على النبي ﷺ يعلمه أن الله يزوجه زينب بنت جحش ). فذلك الذي أخفى في نفسه، ويصحح هذا قول المفسرين في قوله بعد هذا ﴿وكان أمر الله مفعولا﴾ أي لا بد لك أن تتزوجها. ويوضح هذا أن الله لم يبد من أمره معها غير زواجه لها.
فدل أنه الذي أخفاه عليه السلام، مما كان أعلمه به تعالى، وقوله تعالى في القصة :﴿مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ دل على أنه لم يكن عليه حرج في الأمر. ولو كان على ما قيل من وقوعها في قلبه، ومحبة طلاق زيد لها، لكان فيه أعظم الحرج. وكيف يقال : رآها فأعجبته وهي بنت عمته. ولم يزل يراها منذ ولدت. ولا كان النساء يحتجبن منه عليه السلام، وهو زوجها لزيد، وإنما جعل الله طلاق زيد لها. وتزويج النبي ﷺ إياها. لإزالة حرمة التبني وإبطال سببه. كما قال (٤) :﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم﴾ وقال :﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ قال ابن فورك : وليس معنى الخشية هنا الخوف. وإنما معناه الاستحياء. أي يستحيي منهم أن يقولوا تزوج زوجة ابنه. وأن خشيته عليه السلام من الناس كانت من إرجاف المنافقين واليهود، وتشغيبهم على المسلمين بقولهم : تزوج زوجة ابنه بعد نهيه عن نكاح حلائل الأبناء، كما كان. فعتبه الله تعالى على هذا، أو نزهه عن الالتفات إليهم فيما أحله له. كما عتبه على مراعاة رضا أزواجه في سورة التحريم (٥) بقوله :﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ الآية. كذلك قوله ها هنا. انتهى ملخصا.
الثالث – قال الإمام ابن حزم في ( الفصل ) يرد على من استدل بمثل هذه الآية على جواز وقوع الصغائر من الأنبياء، ما مثاله : وأما قوله تعالى :﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ الآية فقد أنفنا من ذلك. إذ لم يكن فيه معصية أصلا ولا خلاف فيما أمره الله تعالى به وأن ما كان أراده زواج. مباح له فعله ومباح له تركه ومباح له طيه ومباح له إظهاره. وإنما خشي النبي ﷺ الناس في ذلك خوف أن يقولوا قولا ويظنوا ظنا فيهلكوا كما قال عليه السلام (٦) للأنصاريين :( إنها صفية ). فاستعظمنا ذلك، فأخبرهما النبي ﷺ أنه إنما يخشى أن يلقي الشيطان في قلوبهما شيئا. وهذا الذي خشيه عليه السلام على الناس من هلاك أديانهم، بظن يظنونه به عليه السلام، وهو الذي يحققه هؤلاء المخذولون المخالفون لنا في هذا الباب. وكان مراد الله عز وجل أن يبدي ما في نفسه، لما كان سلف في علمه من السعادة لأمنا زينب رضي الله عنها. انتهى.
الرابع – للإمام مفتي مصر رحمه الله مقالة على هذه الآية. رأيت نقلها هنا تعزيزا لما سلف، وإيقافا من أسرار الآية على نخب ما وصف.
قال رحمه الله : نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش. وهي بنت عمته ﷺ أميمة بنت عبد المطلب. وقد خطبها الرسول على مولاه زيد بن حارثة. فأبت وأبى أخوها عبد الله بن جحش فنزلت آية (٧) :﴿وما كان لمؤمن﴾ الخ، فلما نزلت الآية قالا :( رضينا يا رسول الله ). فأنكحها إياه. وساق عنه إليها مهرها ستين درهما وخمارا وملحفة ودرعا وإزارا وخمسين مدا من طعام، وثلاثين صاعا من تمر. كذا يروى.
فنحن من جهة، نرى أن زينب كانت بنت عمة النبي ﷺ، ربيت تحت نظره وشملها من عنايته ما يشمل البنت مع والدها لأول الأمر. حتى أنه اختارها لمولاه زوجة. مع إباءها وإباء أخيها وعد إباءها هذا عصيانا. ولا زالت كذلك حتى نزل في شأنها قرآن. فكأنه أرغمها على زواجه، لما ألهمه الله من المصلحة لها وللمسلمين في ذلك. ولو كان للجمال سلطان على قلبه ﷺ، لكان أقوى سلطانه عليه جمال البكر في روائه، ونضرة جدته، وقد كان يراها ولم يكن بينه وبينها حجاب. ولا يخفى عليه شيء من محاسنها الظاهرة. ولكنه لم يرغبها لنفسه، ورغبها لمولاه، فكيف يمتد نظره إليها، ويصيب قلبه سهم حبها، بعد أن صارت زوجة لعبد من عبيده أنعم عليه بالعتق والحرية ؟ لم يعرف فيما يغلب على مألوف البشر، أن تعظم شهوة القريب وولعه بالقريب، إلى أن تبلغ حد العشق، خصوصا إذا كان عشيره منذ صغره. بل المألوف زهادة الأقرباء بعضهم في بعض. متى تعود بعضهم النظر إلى بعض، من بداية السن إلى أن يبلغ حدا منه يجول فيه نظر الشهوة. فكيف يظن أو يتوهم أن النبي ﷺ الذي يقول الله له (٨) :﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا﴾ يخالف مألوف العادة، ثم يخالف أمر الله في ذلك ؟ أم كيف يخطر بالبال أن من عصم الله قلبه عن كل دنيئة، يغلب عليه سلطان شهوة في بنت عمته، بعد أن زوجها بنفسه لعبد من عبيده ؟ ومن جهة أخرى نرى أن النبي ﷺ، وهو الرؤوف الرحيم، لم يبال بإباء زينب ورغبتها عن زيد، وقد كان لا يخفى عليه أن نفور قلب المرأة من زوجها مما تسوء معه العشرة وتفسد به شئون المعيشة. فما كان له – وهو سيد المصلحين – أن يرغم امرأة على الاقتران برجل وهي لا ترضاه، مع ما في ذلك من الضرر الظاهر بكل من الزوجين. لا ريب أننا نجد من ذلك هاديا إلى وجه الحق في فهم الآية التي نحن بصدد تفسيرها. ذلك أن التصاق الأدعياء بالبيوت واتصالهم بأنسابها، كان أمرا تدين به العرب وتعده أصلا يرجع إليه في الشرف والحسب. وكانوا يعطون الدعي جميع حقوق الابن، ويجرون له وعليه جميع الأحكام التي يعتبرونها للابن، حتى في الميراث وحرمة النسب وهي عقيدة جاهلية رديئة. أراد الله محوها بالإسلام، حتى لا يعرف من النسب إلا الصريح ولا يجري من أحكامه إلا ما له أساس صحيح. لهذا أنزل الله (٩) :﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ثم قال (١٠) :﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ الخ فهذا العدل الإلهي، أن لا ينال حق الابن إلا من يكون ابنا. أما المتبنى واللصيق فلا يكون له إلا حق المولى والأخ في الدين. فحرم الله على المسلمين أن ينسبوا الدعي لمن تبناه. وحظر عليهم أن يقتطعوا له شيئا من حقوق الابن لا قليلا ولا كثيرا. وشدد الأمر حتى قال (١١) :﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ فهو يعفو عن اللفظة تصدر من غير قصد بأن يقول الرجل لآخر : هذا ابني. أو ينادي شخص آخر بمثل ذلك. لا عن قصد التبني. ولكنه لا يعفو عن العمد في ذلك والذي يقصد منه الإلصاق بتلك اللحمة كما كان معروفا من قبل. مضت سنة الله في خلقه، أن ما رسخ في النفس بحكم العادة، لا يسهل عليها التفصي منه. ولا يقدر على ذلك إلا من رفعه الله فوق العادات، وأعتقه من رق الشهوات، وجعل همته فوق المألوفات. فلا يطيبه ( أي يستميله ) إلا الحق. ولا يحكم عليه إلف، ولا يغلبه عرف. ذلك هو النبي ﷺ، ومن يختصه الله بالتأسي به. لهذا، كان الأمر، إذا نهى الله عن مكروه كانت الجاهلية عليه، أو أحل شيئا كانت الجاهلية تحرمه، بادر النبي ﷺ إلى امتثال النهي بالكف عن المنهي عنه، والإتيان بضده. وسارع إلى تنفيذ الأمر بإتيان المأمور به، حتى يكون قدوة حسنة، ومثالا صالحا تحاكيه النفوس، وتحتذيه الهمم، وحتى يخف وزر العادة وتخلص العقول من ريب الشبهة. نادى ﷺ (١٢) : في حجة الوداع بحرمة الربا. وأول الربا وضعه ربا عمه العباس. حتى يرى الناس صنيعه بأقرب الناس إليه وأكرمهم عليه، فيسهل عليهم ترك مالهم، وتنقطع وساوس الشيطان من صدورهم، على هذا السنن الإلهي كان عمل النبي ﷺ في أمر زينب، كبر على العرب أن يفصلوا عن أهلهم من ألصقوه بأنسابهم من أدعيائهم كما دل عليه قوله تعالى (١٣) :﴿وتخشى الناس﴾ الخ فعمد النبي ﷺ، على سنته، إلى خرق العادة بنفسه. وما كان ينبغي له، ولا من مقتضى الحكمة، أن يكلف أحد الأدعياء الأباعد عنه، أن يتزوج ثم يأمره بالطلاق ثم يأمر من كان قد تبناه أن يتزوج مطلقته.