الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ﴾ : العامَّةُ على تخفيف " لكن " ونصبِ رسول. ونصبُه : إمَّا على إضمارِ " كان " لدلالة " كان " السابقة عليها أي : ولكن كان، وإمَّا بالعطفِ على " أبا أَحَدٍ ".
والأولُ أليقُ لأنَّ " لكن " ليست عاطفةً لأجلِ الواو، فالأليقُ بها أن تدخلَ على الجملِ كمثل التي لَيَستْ بعاطفةٍ.
وقرأ أبو عمروٍ في روايةٍ بتشديدها ؛ على أنَّ " رسولَ الله " اسمُها، وخبرُها محذوفٌ للدلالةِ أي : ولكن رسولَ الله هو أي : محمدٌ. وحَذْفُ خبرها شائعٌ. وأُنْشِد :
فلو كنتَ ضَبِّيَّاً عَرَفْتَ قَرابتيولكنَّ زَنْجِيَّاً عظيمَ المَشافِرِ
أي : أنت. وهذا البيت يَرْوُوْنه أيضاً : ولكنَّ زَنْجيٌّ بالرفع شاهداً على حَذْفِ اسمِها أي : ولكنك.
وقرأ زيد بن علي وابن أبي عبلة بتخفيفها ورفع " رسولُ " على الابتداء، والخبرُ مقدرٌ أي : هو. أو بالعكس أي : ولكن هو رسول كقوله :
ولَسْتُ الشاعرَ السَّفسافَ فيهمْولكنْ مِدْرَهُ الحربُ العَوانِ
أي : ولكن أنا مِدْرَهُ.
قوله :" وخاتم " قرأ عاصمٌ بفتح التاء، والباقون بكسرِها. فالفتح اسمٌ للآلةِ التي يُخْتَمُ بها كالطابَع والقالَبِ لما يُطْبَعُ به ويُقْلَبُ فيه، هذا هو المشهور. وذكر أبو البقاء فيه أوجهاً أُخَرَ منها : أنه في معنى المصدرِ قال :" كذا ذُكِرَ في بعض الأعاريب ". قلت : وهو غَلَطٌ مَحْضٌ كيف وهو يُحْوِجُ إلى تجوُّزٍ وإضمار ؟ ولو حُكِي هذا في " خاتِم " بالكسر لكان أقربَ ؛ لأنه قد يجيء المصدرُ على فاعِل وفاعِلة. وسيأتي ذلك قريباً. ومنها : أنه اسمٌ بمعنى آخِر. ومنها : أنه فعلٌ ماضٍ مثل قاتَلَ فيكون " النبيين " مفعولاً به قلت : ويؤيِّد هذا قراءةُ عبد الله " خَتَم النبيين ".
والكسرُ على أنه اسمُ فاعلٍ، ويؤيِّده قراءةُ عبد الله المتقدمة. وقال بعضُهم : هو بمعنى المفتوح، يعني بمعنى آخرهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى